أنباء اليوم
 أنباء اليوم

من فكرة وُلدت عام 1996 إلى منصة إقليمية.. «Cairo ICT» يحتفل بثلاثة عقود من صناعة المستقبل الرقمي

على الحوفى -

من إطلاق أول شبكة محمول في مصر إلى الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتكنولوجيا المالية.. كيف تحوّل معرض القاهرة الدولي للتكنولوجيا إلى موعد سنوي يرصد تحولات الاقتصاد الرقمي؟

قبل ثلاثة عقود، لم تكن التكنولوجيا تحتل المساحة التي تشغلها اليوم في تفاصيل الحياة والاقتصاد، ولم تكن الهواتف المحمولة أو الخدمات الرقمية أو الذكاء الاصطناعي جزءًا من المشهد اليومي كما نعرفه الآن. في ذلك الوقت، ظهرت فكرة إنشاء منصة تجمع العاملين في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتتيح للشركات عرض ابتكاراتها والتواصل مع السوق المصرية.

من هذه الفكرة بدأت رحلة معرض القاهرة الدولي للتكنولوجيا «Cairo ICT» عام 1996، لتتحول التجربة التي انطلقت قبل 30 عامًا إلى واحدة من أبرز الفعاليات التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، ومع اقتراب دورته الجديدة في نوفمبر 2026، يستعد المعرض لمرحلة مختلفة عنوانها الانتقال من استعراض إمكانات التكنولوجيا إلى اختبار تطبيقاتها وتأثيرها الفعلي.

البداية من عام 1996.. عندما كانت التكنولوجيا تبحث عن منصة

تعود جذور الفكرة إلى عام 1995، حين برزت الحاجة إلى إقامة فعالية تجمع العاملين في قطاعي الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في وقت كان فيه سوق التكنولوجيا المصري لا يزال في مرحلة التكوين.

وبحسب رواية مؤسس المعرض ورئيس شركة «تريد فيرز إنترناشونال» المنظمة له، أسامة كمال، جاءت الفكرة من إدراك مبكر للعلاقة التي ستنشأ بين الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام، وأن هذه القطاعات لن تعمل بمعزل عن بعضها، بل ستتداخل لتشكل منظومة اقتصادية وتقنية جديدة.

وفي عام 1996، انطلقت الدورة الأولى تحت اسم المعرض الدولي للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والأقمار الصناعية والبث، وحملت شعار «A Star Is Born»، في إشارة إلى ميلاد منصة جديدة تستهدف جمع الشركات المحلية والعالمية وتقديم التقنيات الحديثة إلى السوق المصرية.

ولم تكن البداية سهلة؛ إذ واجه المنظمون تحديًا في إقناع شركات الاتصالات والتكنولوجيا بأهمية المشاركة، خصوصًا أن بعض الشركات لم تكن ترى آنذاك وجود ارتباط مباشر بين المجالين. لكن تزامن المعرض مع إطلاق أول شبكة محمول في مصر خلال نوفمبر 1996 منح الحدث دفعة مهمة، وأسهم في تسليط الضوء على التحولات التي كان قطاع الاتصالات مقبلًا عليها.

من معرض للشركات إلى منصة لإطلاق المبادرات

لم يظل «Cairo ICT» مجرد مساحة لعرض الأجهزة والتقنيات أو عقد الصفقات التجارية، بل تطور تدريجيًا ليصبح منصة تلتقي فيها الحكومة والشركات ومؤسسات القطاع المالي والمستثمرون لمناقشة مستقبل التكنولوجيا في مصر والمنطقة.

ومع بداية الألفية الجديدة، ارتبطت بعض الدورات بإطلاق مبادرات ومشروعات تركت أثرًا في مسار التحول الرقمي، من بينها مبادرة الإنترنت المجاني عام 2002، ومبادرة «حاسب لكل بيت» عام 2003، إلى جانب التطورات المرتبطة بخدمات المحمول والإنترنت.

ومع اتساع دور الاتصالات في الاقتصاد، أصبحت فعاليات المعرض مساحة للإعلان عن تطورات جديدة في السوق، ومناقشة البنية التحتية الرقمية، وتوسيع استخدام التكنولوجيا في الخدمات الحكومية والقطاعات الإنتاجية.

وفي عام 2017، شهد المعرض محطات بارزة، من بينها تقديم هاتف محمول مصري الصنع، إلى جانب الإعلان عن مشروعات ومبادرات مرتبطة بالتأشيرة الإلكترونية والمناطق التكنولوجية، بما عكس اتساع أجندة المعرض من الاتصالات التقليدية إلى التطبيقات الرقمية والخدمات الحكومية.

اهتمام رسمي يعكس تحول التكنولوجيا إلى أولوية اقتصادية

على مدار سنواته، اكتسب المعرض حضورًا رسميًا متزايدًا، بالتوازي مع التحول الذي شهده قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات داخل أولويات الدولة المصرية.

فقد افتتح الرئيس الأسبق حسني مبارك دورة عام 2002، ثم شهد المعرض حضورًا رئاسيًا متواصلًا خلال الفترة من 2015 إلى 2021، عندما افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي فعالياته على مدار سبع دورات متتالية.

وفي السنوات اللاحقة، واصل رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي افتتاح فعاليات المعرض، بما يعكس اتساع ارتباطه بملفات التحول الرقمي وتطوير البنية التحتية وجذب الاستثمارات التكنولوجية.

ولم يعد المعرض مقتصرًا على قطاع الاتصالات بمعناه التقليدي؛ إذ امتدت موضوعاته إلى التكنولوجيا المالية، والمدن الذكية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وتطبيقات التكنولوجيا في الصناعة والصحة والتعليم والنقل.

من الاتصالات إلى الذكاء الاصطناعي.. كيف تغيرت أجندة المعرض؟

يمكن قراءة تطور «Cairo ICT» باعتباره انعكاسًا للتحولات التي مر بها قطاع التكنولوجيا نفسه. ففي البداية، كانت الأولوية لتقديم خدمات الاتصالات وتقنيات المعلومات إلى السوق، ثم توسعت الأجندة لتشمل الإنترنت فائق السرعة، والهواتف الذكية، والخدمات الرقمية، والمدفوعات الإلكترونية، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

كما شهد المعرض ولادة فعاليات متخصصة تحت مظلته، من بينها «PAFIX» المعني بالمدفوعات والتكنولوجيا المالية، و«Connecta» الذي يركز على الشباب والفرص المهنية والتواصل مع الشركات، إلى جانب منصات متخصصة أخرى تواكب التوسع في استخدام التكنولوجيا داخل قطاعات الاقتصاد المختلفة.

وهكذا انتقل المعرض من كونه نافذة لعرض المنتجات الجديدة إلى مساحة تجمع أطراف المنظومة الرقمية: صناع السياسات، ومقدمي الخدمات، والبنوك، وشركات التكنولوجيا، ورواد الأعمال، والمستثمرين، والجامعات والشباب.

دورة 2025.. الذكاء الاصطناعي في كل مكان

مثّلت الدورة التاسعة والعشرون، التي أقيمت في نوفمبر 2025 تحت شعار «AI Everywhere»، محطة مهمة في مسيرة المعرض، مع تصدر الذكاء الاصطناعي جدول أعمال الفعاليات والنقاشات.

ووفقًا للبيانات المنشورة من الجهة المنظمة، استقطبت الدورة نحو 161 ألفًا و280 زائرًا، وشارك فيها أكثر من 580 عارضًا، في واحدة من أكبر الدورات من حيث حجم المشاركة والحضور.

وعكست هذه الأرقام تنامي الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ليس باعتبارها تقنية مستقبلية فحسب، بل أداة بدأت تدخل قطاعات الأعمال والخدمات والصناعة والقطاع المالي، وتفرض أسئلة جديدة تتعلق بالاستثمار والبنية التحتية والمهارات والأمن الرقمي.

2026.. الدورة الثلاثون تنقل الذكاء الاصطناعي من الإمكانات إلى التطبيق

بعد شعار «AI Everywhere» في 2025، يستعد المعرض للاحتفال بدورته الثلاثين خلال الفترة من 7 إلى 10 نوفمبر 2026، بمركز مصر للمعارض الدولية في القاهرة الجديدة، تحت شعار «AI in Action – Turning Intelligence into Impact»، أي «الذكاء الاصطناعي في التطبيق.. تحويل الذكاء إلى تأثير».

ويحمل الشعار الجديد دلالة على التحول في طبيعة النقاش التكنولوجي؛ فبعد مرحلة استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار إلى كيفية توظيفه في تحسين كفاءة المؤسسات، وتطوير الخدمات، ودعم الإنتاجية، وتحقيق نتائج ملموسة في قطاعات الاقتصاد المختلفة.

وتأتي الدورة الجديدة بمشاركة خمسة مسارات ومنصات متزامنة، تشمل «Cairo ICT»، ومعرض «PAFIX» للمدفوعات والتكنولوجيا المالية، و«AIDC² Expo» المتخصص في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، و«Connecta» الموجه للشباب والطلاب والخريجين، إلى جانب «Innovation Arena» المخصصة للشركات الناشئة والابتكار.

وتشير البيانات التعريفية للنسخة الجديدة إلى مشاركة أكثر من 580 شركة عارضة، ونحو 550 متحدثًا، و95 جلسة نقاشية، وما يزيد على 160 ساعة من المحتوى على المنصات، مع مساحة عرض تصل إلى 55 ألف متر مربع، إلى جانب استهداف ربط الشركات بنحو 62 ألف طالب وخريج عبر فعاليات «Connecta».

كما يكتسب «PAFIX» أهمية خاصة في دورة 2026، باعتباره منصة تجمع الجهات التنظيمية والبنوك وشبكات الدفع وشركات التكنولوجيا المالية والمستثمرين، لمناقشة مستقبل المدفوعات الرقمية والشمول المالي والبنية التحتية المالية، فيما يركز «AIDC²» على قطاعات أصبحت أكثر ارتباطًا بمستقبل الاقتصاد الرقمي، وفي مقدمتها مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

ثلاثون عامًا.. من عرض التكنولوجيا إلى اختبار أثرها الاقتصادي

بعد 30 عامًا من انطلاقه، لم يعد السؤال الذي يطرحه «Cairo ICT» هو ما التكنولوجيا الجديدة التي ستظهر في السوق، بل كيف يمكن تحويل هذه التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية وخدمات أفضل وفرص استثمار وعمل.

فالتحديات الحالية لم تعد تقتصر على توفير الاتصال أو إتاحة الأجهزة، وإنما تشمل بناء بنية تحتية قادرة على استيعاب تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتأمين البيانات، وتطوير المهارات البشرية، وتوسيع استخدام المدفوعات الرقمية، وتهيئة بيئة تسمح للشركات الناشئة بالابتكار والنمو.

ومن هنا، تبدو الدورة الثلاثون أكثر من مجرد احتفال بمرور ثلاثة عقود على تأسيس المعرض؛ فهي اختبار لمدى قدرة المنصة على مواكبة مرحلة جديدة من التحول الرقمي، تتنافس فيها الدول والشركات على امتلاك البنية التكنولوجية والمهارات والحلول القادرة على تحويل الابتكار إلى إنتاجية ونمو.

وبين شعار «A Star Is Born» الذي رافق البداية عام 1996، وشعار «AI in Action» في 2026، تختصر رحلة «Cairo ICT» ثلاثة عقود من التحولات التي شهدها قطاع التكنولوجيا، من سوق يبحث عن الاتصال إلى اقتصاد يتطلع إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة المستقبل.

من فكرة وُلدت عام 1996 إلى منصة إقليمية.. «Cairo ICT» يحتفل بثلاثة عقود من صناعة المستقبل الرقمي