google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

طَرْقٌ على باب الغياب

-

بقلم - أميره عبدالعظيم

يبدو أنه صباحا سماؤه ملبده بالغيوم الثقيلة ، الرياح تعصف بالأشجار بعنف، فيما بدأت الأمطار تنهمر بغزارة، وكأن السماء قررت أن تغسل شوارع ولاية ميتشجان .

ارتديت ملابسي استعدادًا للخروج لقضاء بعض المشاوير، لكنني ما إن نظرت من النافذة حتى تراجعت عن الفكرة، لا شيء يستحق مواجهة هذا الطقس القاسي ،أغلقت الستائر جزئيًا، وأشعلت المدفأة، جلست أراقب ألسنة اللهب وهي تتراقص أمامي، ضغطت زر التلفاز، لكن ضجيج العاصفة كان أعلى من صوت المسلسل.

لم أجد ما يشد انتباهي، فنهضت واتجهت إلى النافذة.

كانت قطرات المطر تنزلق على الزجاج في مسارات متعرجة، تتسابق نحو الأسفل، بينما تتراقص أغصان الأشجار مع شدة الرياح.

فجأة، لمحت رجلًا قادمًا من بعيد.

يرتدي معطفًا داكنًا، ويحمل حقيبة سفر صغيرة في إحدى يديه، بينما يحتمي تحت مظلة سوداء في اليد الأخرى، بدا منحني الظهر، يخطو ببطء شديد، كمن يحمل فوق كتفيه سنوات عمره كلها.

ضيّقت عيني محاوِلة تمييز ملامحه وسط المطر الكثيف.

هل يكون مندوب توصيل الطعام الذي طلبته منذ قليل؟

لكن مهلاً... إنه رجل مسن، يبدو منهك القوى، فكيف لرجل في مثل هذه السن أن يعمل في توصيل الطلبات وسط عاصفة كهذه؟

واصلت مراقبته حتى اقترب من المنزل المجاور.

توقفت أنفاسي للحظة.

ذلك المنزل مهجور منذ سنوات طويلة، لم يسكنه أحد منذ وفاة صاحبه، ولم أرَ بابه يُفتح مرة واحدة منذ أن سكنت منزلي

إلا أن الرجل، صعد درجات السلم، وطرق الباب ثلاث طرقات متتالية.

انتظرت قليلًا، ثم كرر الطرق.

لم يجبه أحد.

ارتديت معطفي على عجل، وفتحت باب منزلي، وخرجت ألوّح له من بعيد.

صرخت بأعلى صوتي محاوِلة أن يصل إليه عبر هدير الرياح:

سيدي! انتظر من فضلك! لا أحد يسكن هذا المنزل... أعتقد أنك أخطأت العنوان! أنا من طلب الطعام، إنه لي!

التفت نحوي ببطء.

لكني لم أستطع رؤية وجهه بوضوح، لكنني شعرت أنه ينظر إليّ مباشرة. رفع يده قليلًا، وكأنه يشير إليّ، ثم استدار نحو الباب مرة أخرى.

خطوت بضع خطوات في اتجاهه، لكن هبة ريح عنيفة دفعتني إلى الخلف، وتطايرت قطرات المطر في وجهي.

وحين رفعت رأسي مجددًا... لم أجده!

اختفى الرجل!

نظرت حولي، تفحصت الشارع، ثم التفت إلى المنزل لا أثر له، ولا أثر لحقيبته أو مظلته، وكأن الأرض ابتلعته.

عدت مسرعة إلى الداخل، أغلقت الباب بإحكام، ووقفت ألتقط أنفاسي أمام المدفأة.

لكن ما حدث بعد دقائق كان أكثر غرابة.

فجأة، أضاءت نوافذ المنزل المهجور واحدة تلو الأخرى!

تراجعت إلى الخلف، وأنا أحدق في المشهد غير مصدقة. ثم بدأت تصل إلى مسامعي أصوات ضحكات متعالية، وأحاديث متداخلة، وموسيقى صاخبة... حتى خُيّل إليّ أنه حفل عيد ميلاد .

كيف يحدث ذلك؟!

من أين جاء هؤلاء؟ ومن يكون الرجل الذي رأيته؟

أسرعت إلى هاتفي لأتصل بالشرطة، لكنني فوجئت بأن الشاشة سوداء. حاولت تشغيله مرارًا، ثم انتبهت إلى أن الجهاز لا يستجيب، وكأنه قطعة حديد باردة لا حياة فيها.

هل نفدت بطاريته؟ أم أن العاصفة قطعت الاتصال؟

بدأ الخوف يتسلل إلى أعماقي لم أعد أسمع صوت المطر وحده، بل صرت أسمع دقات قلبي وهي تتسارع في صدري.

جلست على الأريكة، أراقب المنزل من خلف النافذة، دون أن أجرؤ على الاقتراب أكثر.

مرت الدقائق ثقيلة، حتى انقضت ساعة كاملة.

وفجأة، خفتت الموسيقى، ثم تلاشت الضحكات شيئًا فشيئًا، وانطفأت الأنوار نافذة بعد أخرى، حتى غرق المنزل في ظلام دامس.

تنفست الصعداء.

عاد هاتفي للعمل أخيرًا، وظهرت إشارة الشبكة على الشاشة. أمسكت به لأتصل بالشرطة، لكنني توقفت حين سمعت صوتًا خافتًا يأتي من المنزل المجاور.

إنه صوت باب يُفتح... ثم يُغلق.

رفعت عيني نحو النافذة.

لم يخرج أحد!

ظل المنزل غارقًا في الظلام، والرجل الذي رأيته لم يخرج بعد، هكذا بدا لي.

في تلك اللحظة، رن هاتفي.

نظرت إلى الشاشة، فتجمدت الدماء في عروقي.

إنه رقم زوجي!

زوجي الذي رحل عن الدنيا منذ سنوات... زوجي الذي اعتدت أن أستقبل اتصالاته كل مساء، والذي غاب صوته عن حياتي في مثل هذا اليوم تحديدًا.

ارتجفت يدي، وترددت طويلًا قبل أن أجيب.

لكن الهاتف ظل يرن بإلحاح، وكأن المتصل يعرف أنني لن أستطيع تجاهل مكالمته.

، ووضعت الهاتف على أذني.

ـ ألو...!

ساد صمت قصير، ثم انطلق صوته...

ذلك الصوت الذي لم أنسه يومًا، بنبرته الدافئة التي كانت تطمئن قلبي:

ـ حبيبتي... أرسلت لكِ طعام العشاء الذي تشتهينه. هل وصل إليكِ؟

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0