google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

مصر والسعودية.. حين تتحول الذاكرة المشتركة إلى مسؤولية للمستقبل

-

بقلم: هبة قاسم

ليست قوة العلاقات بين الدول فيما تحفظه صفحات التاريخ وحدها، بل فيما تستطيع أن تصنعه من هذا التاريخ في حاضرها ومستقبلها. فهناك روابط لا تُقاس بطول الحدود، ولا تُختصر في اتفاقيات السياسة والاقتصاد، وإنما تستمد معناها من ذاكرة إنسانية ودينية ممتدة، ومن قدرة الشعوب على تحويل المشترك بينها إلى مساحة للتفاهم والعمل.

ومن هذا المنطلق، تبدو العلاقة بين مصر والمملكة العربية السعودية أكثر من مجرد علاقة بين دولتين عربيتين؛ إنها مساحة يلتقي فيها التاريخ بالدين، وتتشابك فيها المصالح مع المسؤولية تجاه مستقبل المنطقة.

من ذاكرة التاريخ إلى وجدان الشعوب

حين نستحضر قصة السيدة هاجر وإسماعيل عليه السلام، وما ارتبط بها من أحداث في مكة المكرمة، نستعيد جانبًا من الذاكرة الدينية التي تحتل مكانة عميقة في وجدان المسلمين. كما تحضر مارية القبطية، القادمة من مصر، وأم إبراهيم ابن النبي محمد ﷺ، لتذكّرنا بحضور مصر في السيرة النبوية.

لكن قيمة هذه الروابط لا تكمن في تحويلها إلى ادعاء بنسب مباشر بين الشعبين، بل في فهم دلالتها التاريخية والإنسانية، وما تحمله من معانٍ مشتركة في الوجدان الإسلامي. فالتاريخ حين يُقرأ بوعي، يصبح جسرًا للتقارب، لا وسيلة للمبالغة أو الخلط بين الحقيقة والرواية.

ولم تتوقف الصلات المصرية السعودية عند الذاكرة الدينية؛ فقد امتدت عبر قوافل الحج والتبادل الثقافي والإنساني، ثم تعززت بالمواقف السياسية والتعاون في مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة.

علاقة لا تختبرها الشعارات بل المواقف

إن العلاقات الراسخة لا تُقاس بكثرة عبارات الأخوة وحدها، وإنما بقدرتها على استيعاب الاختلاف، وإدارة المصالح، ومواجهة التحديات بالحكمة. فلكل من مصر والسعودية رؤيتها الوطنية وأولوياتها وخصوصيتها، ولا يتعارض ذلك مع بناء شراكة قائمة على الاحترام المتبادل.

وهنا تظهر مسؤولية الوعي العام والإعلام؛ فالكلمة قد تفتح نافذة للتفاهم، وقد تتحول، حين تُبنى على معلومة غير دقيقة أو تعميم متسرع، إلى سبب لسوء الفهم. لذلك، من الضروري ألا نحول تصرفات فردية أو خلافات عابرة إلى أحكام على شعب بأكمله، وألا تصبح الشائعات بديلًا عن المعرفة والحوار.

إن الدفاع عن العلاقات بين الشعوب لا يعني تجاهل الاختلافات، بل التعامل معها بموضوعية وحكمة، والتمييز بين النقد المسؤول والإساءة، وبين المصالح الوطنية المشروعة ومحاولات تأجيج الخلاف.

لذلك، يستوقفني سؤال مهم: ما الذي ينبغي أن تحمله هذه العلاقة بين مصر والسعودية إلى المستقبل؟

مما لا شك فيه أن القيمة الحقيقية لأي علاقة تاريخية تظهر في قدرتها على إنتاج فرص جديدة للأجيال المقبلة. فالتعاون المصري السعودي يمكن أن تتسع آفاقه في مجالات الاستثمار والتعليم والثقافة والتكنولوجيا، إلى جانب التنسيق في القضايا الإقليمية التي تمس أمن المنطقة واستقرارها.

والأهم أن يدرك الشباب أن العلاقات بين الدول ليست حكايات تُروى عن الماضي فحسب، بل مسؤولية تُبنى في الحاضر، من خلال المعرفة، واحترام الآخر، وتجنب الانسياق وراء خطاب الكراهية والفتن، والبحث عن المصالح المشتركة دون التفريط في الثوابت الوطنية والاحترام المتبادل.

فمصر ليست بحاجة إلى أن تتخلى عن هويتها لتقترب من السعودية، والسعودية ليست بحاجة إلى أن تتخلى عن خصوصيتها لتعزز علاقتها بمصر. بل إن احترام الهوية هو الأساس الذي يجعل التعاون أكثر نضجًا واستمرارًا بين دولتين شقيقتين؛ فالأخوة مسؤولية، وليست مجرد وصف أو كلمة تُقال.

فقد تتغير الظروف السياسية والاقتصادية، وقد تختلف وجهات النظر من مرحلة إلى أخرى، لكن العلاقات الناضجة لا تستمد قوتها من افتراض غياب الخلاف، وإنما من امتلاك القدرة على إدارته دون هدم جسور التواصل والمحبة والاحترام.

وهنا تكمن الفكرة الأهم: إن المشترك الديني والتاريخي بين مصر والسعودية ليس مجرد ذكرى نستدعيها في المناسبات، بل فرصة لبناء وعي أكثر اتزانًا، يقدّر التاريخ دون أن يحمّله ما لا يحتمل، ويحترم الحاضر دون أن يتجاهل دروس الماضي، ويتطلع إلى المستقبل باعتباره مجالًا للعمل لا للاكتفاء بالشعارات.

فمصر والسعودية دولتان مستقلتان، لكل منهما هويتها ومكانتها، لكن ما يجمعهما يمكن أن يكون أكبر من مجرد إرث تاريخي؛ يمكن أن يكون مشروعًا مستمرًا للتفاهم والتعاون، تصونه الحكمة، وتدعمه المصالح المشتركة، ويمنحه الوعي الشعبي معناه الحقيقي.

فالتاريخ يمنح العلاقات جذورها، لكن وعي الشعوب هو الذي يقرر أي ثمار ستجنيها في المستقبل.

حفظ الله مصر والمملكة العربية السعودية، ووفّق قيادتيهما لما فيه الخير وصالح البلدين.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0