من تؤنث وحدتي

بقلم -الباحثة : أميره عبدالعظيم
وصلت إلى العنوان المدوَّن في صفحة الجريدة، تتفحّص المكان بحذر، ثم مضت تخترق الحواري الضيقة، تعبر الجدران والصمت يخيّم على المكان، والظلال تتراقص على الجدران المتآكلة، بدأت قدماها تتباطأ كلما توغّلت في الممرات الملتوية.
في نهاية ممرّ طويل، توقفت أمام جدار كُتبت عليه عبارة بخطّ أبيض باهت:
لقد تأخرتِ كثيرًا.. تم شغل الوظيفة!
تسمّرت في مكانها، وأعادت قراءة العبارة أكثر من مرة، تأمل أن تتبدّل الكلمات أمام عينيها. شعرت بخيبة أمل حادّة، فقد قطعت كل تلك المسافة بحثًا عن فرصة عمل، ولم يكن ينقصها سوى أن تجد بابًا مفتوحًا يغيّر مسار حياتها.
استدارت لتعود من حيث أتت، لكنّها ما إن خطت بضع خطوات حتى همس في أذنيها صوت خافت،
— إلى أين تذهبين؟!
توقفت، والتفتت مذعورة، فلم تجد أحدًا.
عاد الصوت أكثر وضوحًا:
— جميعنا في انتظاركِ! هذا المكان يحتاج إليكِ بشدّة... انظري حولكِ! ألا ترين أكوام القمامة؟ ألا تشمّين تلك الروائح الكريهة التي تخنق أنفاسنا؟ لقد سئمنا هذا الإهمال، ولم يعد في وسعنا الاحتمال أكثر!
راحت تبحث بعينيها عن مصدر الصوت، بينما تسارعت دقات قلبها، وبدأت أطرافها ترتجف. حاولت العودة من الطريق الذي جاءت منه، لكنها اكتشفت أنّ الممر الذي عبرته قبل قليل قد اختفى، وأنّ الجدران تضيق حولها شيئًا فشيئًا.
صرخت بصوت مرتعش:
— من أنت؟! أرجوك، أظهر نفسك! أنا لا أراك!
وبنفس الصوت الهادئ
ولن تريني إلا حين تدخُلين عالمي.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم سألت وهي تتراجع إلى الخلف:
وما عالمك؟ وأين أنا؟!
ساد صمت ثقيل، قبل أن يجيب :
— أنا روحٌ عالقة بين عالمين، انتهت حياتي قبل أن أتزوج، وقبل أن أعرف طعم الأنس أو دفء الرفقة، عشت وحيدًا، وتركت الدنيا كما عشت فيها، لا أحد يسأل عني، ولا أحد يفتقدني، وحين أدركت أنّ وحدتي لن تنتهي، كتبت إعلان الوظيفة هذا، وأرسلته عبر الهاتف إلى أخي، وأوصيته أن ينشره في الجريدة. وددت أن تأتيني امرأة جميلة مثلك تؤنس وحدتي، وتشاركني هذا المكان الذي هجره الجميع... وها أنتِ قد جئتِ!
شهقت ، وتراجعت حتى اصطدم ظهرها بالجدار. تهزّ رأسها بعنف، تحاول طرد ما تسمعه من أذنيها.
وأردفت:
أنت مجنون! هذا مستحيل! أنا أبحث عن وظيفة، لا عن شبح! اتركني وشأني!
بضحكة باردة؛
— وظيفة؟! وهل تظنين أن كل وظيفة تمنح صاحبها راتبًا؟ توجد وظيفة ثمنها العمر، وأخرى ثمنهاالروح!
صرخت بأعلى صوتها:
أنت شبح! أنت واحد من الموتى! أنا لا أريد البقاء هنا!
— الموتى أيضاً لا يريدون البقاء هنا لكنّ لاأحداً يسمعهم !
أغمضت عينيها، ووضعت يديها على أذنيها، تمتمت بكلمات متقطعة، مستغيثة بكل ما يأتي على بالها من أدعية. لكنّ الصوت ظلّ يطاردها، ويقترب منها كلما حاولت الهرب.
— لا تخافي... لن أؤذيكِ. كل ما أريده أن تبقي معي، أن تعيشي معي، وتعيدي لي الحياة التي سُلبت مني. لقد انتظرت طويلًا،
صرخت وهي ترتعش:
أنا مازلت على قيد الحياة
فأجابها في هدوء موجع:
وأنا لم أكن ميتًا حين بدأت وحدتي.
عندها شعرت بأنّ الأرض تهتز تحت قدميها، وأنّ الهواء يتسرّب من صدرها. حاولت التشبث بالجدار، لكن أصابعها لم تجد سوى برودة غريبة،
ثم انبثق من آخر الممر ضوء شاحب، وظهرت داخله هيئة رجل يرتدي ملابس قديمة، ويخفي وجهه خلف ظلال كثيفة. مدّ يده نحوها، وقال:
تعالي... لقد حان موعد عملكِ.
أطلقت صرخة مدوّية، ثم سقطت مغشيًّا عليها.
تجمّع بعض المارة حولها، وساعدها رجل مسنّ على الجلوس، ثم سألها عمّا حدث.
وبصعوبة، قصّت عليه ما جرى، وأرته إعلان الوظيفة المنشور في الجريدة.
تغيّر وجه الرجل، وأخذ يتأمّل العنوان طويلًا، ثم رفع عينيه إليها وقال:
— يا بنيتي، هذا البيت مهجور منذ أكثر من ثلاثين عامًا. كان يسكنه رجل وحيد مات قبل زفافه بأيام، بعدما رفضت خطيبته الزواج منه واختفت دون أن تترك له أي تفسير، ومنذ ذلك الحين، لم يدخله أحد إلا وخرج منه مذعورًا
أردفت في ذهول
لكن الإعلان نُشر اليوم!!!!
التفتت ببطء، فلم تجد الرجل المسنّ ولا المارة. كان الشارع خاليًا، والسماء ملبّدة بغيوم سوداء، وعلى الجدار المقابل ظهرت عبارة لم تكن موجودة من قبل
(تم شغل الوظيفة... والمرشّحة التالية قيد الانتظار!)
سقطت الجريدة من يدي
وإعتذرت للجميع و قررت عن أن لا أكمل قراءة القصة.

