google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

الحـــــــل

كريم جلال
كريم جلال -


لثلاثة عقود لم أتخل عن الكتابة؛ كمتنفس لعقلي، أفرغ جعبتي وما يؤرق قريحتي، فتارة أراني قاصاً، فأصوغ قصة قصيرة، أو خاطرة نثرية، ولعل رغبتي في الشعر صورت لي أن أخط بعضاً من الأبيات، وتارة أقرر أن أتقلد مقاليد الفلاسفة فأكتب رؤيتي الفلسفية، في نهاية الأمر هي نتاجات حبيسة دفاتري، حتى بدأت أخطو نحو المنصات الإلكترونية، وبكل منصة بدأت أصب بعضاً من أفكاري أو حتى رؤيتي لمشكلة ما، ووصلت في ختام الأمر إلى شكلين أفرغ قريحتي فيهما، القصة القصيرة والمقال.
في كل مقال كنت دوماً أثير مشكلة أو تساؤل وأضع السؤال في محل النظر، وقد سُئلت عدة مرات عن رؤيتي أنا، فكيف لمقال لا يعكس فكر كاتبه ورؤيته، ودوماً ما كنت أرى أن رؤيتي لن تقدم أو تؤخر لأن الأصل أن يبحث المرء عن الحل بذاته لا يتبنى فكرة أو ينقدها، وإذا الخلائق لم تجتمع على معبود، أو نبي وأقتتلوا على فكرة سياسية ، واستباحوا دماء بعضهم على مر العصور لخلاف على خط حدودي، وذاك كان يوماً قبل أن تقوم محاكم المنصات ويتقلد كل حامل جوال منصة القضاء فيعلن هرطقة فلان، أو خيبة أمله في علّان، وبات الأمر جلياً في هذه الفترة أن على المرء التزام الصمت.
حاولت شرح الأمر لنفسي تثبيتاً لها فهاتفت صديق لي ، سائلاً إياه عن "الغراب الأبيض"، فرد بتقائية أنها تحور جيني نادر لكنه موجود ومثبت علميا فالمهاق في كافة صنوف الكائنات بلا تمييز، شكرته لوضوح إجابته، ومن ثم هاتفت صديق آخر بذات السؤال، صمت قليلاً وأجاب لعلك توميء إلى الأسطورة القديمة التي تحكي عن غراب أبيض جاء إلى الدنيا فرفضته جماعته لإختلافه، وكان يحاول مراراً التقرب والتودد إليهم دون جدوى، ولما آثر البقاء وحيداً بات يتمرس على العديد من الأمر بخلاف جماعته، حتى جاء يوم هبت فيه عاصفة شديدة فرقت أغلب الطيور، وحبست بعضاً من رهطه في أماكن يصعب الوصول إليها، ولم يكن لهم نصير ومعين سواه، وكيف أن رفض الاختلاف أمر محكوم بالعقل لا العصبية والهوى ، وأن التباين ليس عيباً لطالما لأمر خارج عن إرادة المرء.
وقفت في حيرة من أمرى كلاهما رمى لنفس الأمر أن الطبيعة هي من تحكمت إذا باختلاف السردية و الغاية منها لكن هناك اتفاق كبير، فلجأت لثالث يؤكد الأمر لعلي أقنع أن توحد الرؤى بين الأفراد مستشرٍ، فلطمني برواية أخرى عن ذلك الغراب المتمرد لرفض البشر لهم وتشاؤمهم من الغربان كافة، ولماذا يرمز للشر بالغراب ، هل اختار أن يكون أسود الريش، وكيف تنعم الطير الأخر خاصة ذات الريش الأبيض بالنعيم بين البشر، فقرر أن يلج جوال الدقيق ليحول ريشه الفاحم إلى شبيه ببقية الطير، وحين حاول الإندماج مع الطيور لفظوه، وحين عاد لقومه أنكروه، وهذا حال من يتمرد على طبيعته، ويتجرد من سلامته فطرته.
هنا تهللت هاهي الطبيعة الإنسانية متجسدة " الغراب الأبيض" ذاته بمنظورين مختلفين، بين واقع وخيال لم يتفقا ، وتسائلت ماذا لو جمعتهم ثلاثتهم في مكان واحد، هل يقبل كل منهم رؤية الآخر للأمر، أم ترى الطابع التجريدي العلمي لصديقي الأول سيغلب عليه كما كان يغلب على السيد "جرادجريند" وعسى بالثاني أن يؤيد جزئيا الأول متشبثاً برؤيته الحالمة للفكرة وما يترتب عليها من نبذ لكل مرفوض وتفوق كل مختلف، وهل يبقى الثالث صامتاً، أم ينازع الرأي ليؤيد الأسطورة دون إنكار العلم .
اختلاف الرأي دوما منهاج التطور والتفكير، وكما قال الفلاسفة ، ادخل ثُلة من العميان غرفة بها فيل، وأطلب من كل منهم وصفا، ستختلف الأوصاف ولكنها كلها جزء من الحقيقة، فلا غضاضة أن ترى جزءاً وأرى جزء، ترى لزاماً على كل كاتب وضع نهاية ؛مأساوية كانت أو سعيدة لروايته، ويرى آخر أن النهايات المفتوحة تطلق العنان للخيال ، ولكل منكم صحة الرأي دون تقويض، ولكل كاتب منهاج يرى به إعمال العقل وبث الأفكار.
نتفق أو نختلف كُلنا سواء في ختام الأمر ، بعضاً يبحث عن الحل وبعضاً ينتظره، وبعضا يبحث عمن وجده فينسخه، وآخر يطوره، لكل سبيل به يحيا ولكن الأهم أن نحيا، ولنحيا نحتاج إلى وفاق وتفهم ، لا مناصبة العداء لكل فكرة تطرأ.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0