google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

حين يصبح العمر شاهدًا علينا

أميرة عبد العظيم
بقلم/ أميرة عبد العظيم -


في الأول من أكتوبر، يحتفل العالم باليوم العالمي لكبار السن.
تتزين الصفحات بالكلمات الجميلة، وتنتشر صور الأمهات والآباء ذوي الشعر الأبيض، ونكتب عن الوفاء والرحمة والعطاء، ثم نغلق هواتفنا ونعود إلى حياتنا السريعة.
لكن ثمة سؤالًا أكثر قسوة ينبغي أن نطرحه على أنفسنا:
ماذا نفعل بكبار السن في الأيام الثلاثمائة والأربعة والستين الأخرى؟
فليس أصعب على الإنسان من أن يشعر أن عمره الذي أفناه من أجل الآخرين أصبح فجأة سببًا في تجاهله.
تجلس الأم العجوز في شرفة بيتها، تراقب الطريق.
كل سيارة تتوقف أمام المنزل تمنح قلبها احتمالًا صغيرًا بأن أحد أبنائها جاء لزيارتها.
تسمع صوت المصعد، فتعدل جلستها.
تسمع خطوات على السلم، فتبتسم.
ثم تمر الخطوات.
ويعود الصمت.
تضع فنجان القهوة أمامها، ثم تنظر إلى الكرسي المقابل.
كان هذا الكرسي يومًا مشغولًا بطفل صغير كانت تطعمه بيديها.
كبر الطفل.
صار رجلًا.
أصبح لديه عمل، وزوجة، وأبناء، ومواعيد، واجتماعات، والتزامات لا تنتهي.
أما أمه...
فصار موعدها الوحيد الذي تنتظره هو موعد الزيارة القادمة.
هنا تكمن المأساة.
أن يتحول الإنسان الذي كان مركز البيت إلى هامش في حياة أبنائه.
كبار السن لا يطلبون المستحيل.
لا يريدون أن تتوقف الحياة من أجلهم.
ولا يريدون أن نعيد لهم سنوات الشباب.
إنهم يريدون شيئًا أبسط بكثير:
أن يشعروا أنهم ما زالوا على قيد الحياة.
أن يُستمع إليهم دون استعجال.
أن تُحترم آراؤهم حتى إن اختلفنا معها.
أن نأخذ بأيديهم عندما تثقل الخطوات.
أن نمنحهم وقتًا حقيقيًا، لا زيارةً سريعة يؤديها الضمير ثم ينصرف.
فالإنسان حين يكبر لا يفقد حاجته إلى الحب.
بل ربما يصبح أكثر احتياجًا إليه.
وحين تضعف عيناه، لا يعني ذلك أنه لم يعد يرى.
إنه يرى أشياء ربما لا نراها نحن.
يرى أبناءه كما كانوا أطفالًا.
يرى البيت قبل أن تتغير ملامحه.
يتذكر أصواتًا غابت.
وجوهًا رحلت.
أيامًا لن تعود.
ولهذا فإن حكايات كبار السن ليست مجرد ذكريات قديمة.
إنها أرشيف حيّ للعائلة والمجتمع .
وحين نهملهم، لا نهمل أشخاصًا فقط...
بل نفقد جزءًا من ذاكرتنا.
إن المجتمع الذي يحتفي بالتكنولوجيا، ويتحدث عن المستقبل، ويجري خلف كل جديد، لا ينبغي أن يخجل من الاعتناء بمن صنعوا له هذا الحاضر.
فالجد الذي حمل حفيده على كتفيه لم يكن يعرف شيئًا عن عالم الهواتف الذكية.
والأم التي سهرت بجوار طفلها المريض لم تكن تنتظر تطبيقًا يخبرها بما يجب أن تفعل.
والأب الذي خرج قبل شروق الشمس ليعود آخر النهار محملًا بالتعب، لم يكن يفكر في عدد الساعات التي قضاها في العمل، بل في لقمة يضعها أمام أبنائه.
هؤلاء دفعوا من أعمارهم ثمنًا لأيامنا.
فكيف نعامل أعمارهم الآن وكأنها عبء؟
والأخطر من الإهمال أن يتحول بعض كبار السن إلى مجرد أرقام في دور الرعاية، أو ملفات طبية، أو احتياجات مادية.
فالاحتياجات الإنسانية لا تُقاس كلها بالمال.
هناك احتياج إلى الأمان.
إلى الصحبة.
إلى السؤال.
إلى اللمسة الحانية.
إلى صوت يقول:
"أنا هنا... لا تقلق."
كم من كبير سنٍّ يملك بيتًا واسعًا لكنه يعيش داخله وحيدًا؟
وكم من أمٍّ لديها أبناء كثيرون لكنها تشعر بأنها بلا ابن؟
وكم من أبٍ ما زال يحتفظ بمفتاح بيتٍ قديم، وصورةٍ باهتة، ورسالةٍ كتبها أحد أبنائه منذ سنوات، لأنه لم يعد يجد ما هو أحدث منها؟
هذه ليست مبالغات أدبية.
هذه أسئلة ينبغي أن تقلقنا.
لأن الشيخوخة ليست حالة تخص الآخرين.
إنها محطة على الطريق الذي نسير فيه جميعًا.
كل واحد منا يحمل داخل جسده طفلًا سيكبر، وشابًا سيشيخ، وإنسانًا سيحتاج يومًا إلى من يمد له يده.
ولذلك فإن احترام كبار السن ليس فضلًا نقدمه لهم.
إنه احترام للمستقبل الذي ينتظرنا.
علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى الشيخوخة.
لا ينبغي أن تكون التجاعيد علامة على انتهاء الدور، ولا الشعر الأبيض إعلانًا عن الخروج من الحياة.
كم من إنسانٍ بدأ أجمل فصول حياته بعد الستين؟
وكم من فكرة نضجت بعد سنوات طويلة من التجربة؟
وكم من حكمة لا يمكن أن تمنحها الكتب مهما قرأنا؟
إن كبار السن يملكون ما لا تستطيع التكنولوجيا أن تصنعه:
ذاكرة عاشها أصحابها، وتجربة دفعت ثمنها السنوات.
وفي هذا اليوم، ربما لا نحتاج إلى مزيد من الخطب.
نحتاج إلى فعل صغير.
اتصل بأمك.
زر أباك.
اجلس إلى جوار جدتك.
اسأل جدك عن حكايته الأولى.
دع الهاتف جانبًا.
لا تنظر إلى الساعة.
اتركه يتحدث.
حتى لو أعاد الحكاية للمرة العاشرة.
فربما تكون تلك الحكاية آخر جسر بينه وبين زمنٍ يحبه.
وربما حين ينتهي من الكلام، ستكتشف أنك لم تكن تستمع إلى قصة قديمة...
بل كنت تستمع إلى جزء من تاريخك أنت.
وفي اليوم العالمي لكبار السن، علينا ألا نسأل فقط:
ماذا قدمنا لهم؟
بل نسأل أنفسنا السؤال الأصعب:
هل جعلناهم يشعرون أنهم محبوبون؟
فالأيام لا تحفظ أسماءنا كما نظن.
والشباب لا يدوم.
والقوة تتبدل.
والأيدي التي كانت تحملنا ذات يوم قد ترتجف غدًا وهي تبحث عن يدٍ تحملها.
وعندما يأتي ذلك اليوم...
لن نحتاج إلى العالم كله.
سنحتاج فقط إلى شخصٍ واحد يتذكر أننا كنا يومًا هناك.
شخصٍ يجلس إلى جوارنا دون استعجال.
يمسك أيدينا.
ويقول:
"لا تخف... أنا هنا."
حينها فقط سندرك أن أجمل ما يمكن أن نمنحه لكبار السن ليس أن نضيف سنوات إلى أعمارهم...
بل أن نضيف حياةً إلى سنواتهم.
فالعمر لا يصبح ثقيلًا حين نشيخ...
العمر يصبح ثقيلًا حين نشيخ وحيدين.
ولذلك، قبل أن نحتفل بهم في الأول من أكتوبر القادم، فلنحتفل بهم اليوم...
بزيارة.
باتصال.
بحضن.
بكلمة.
بوجودٍ صادق.
فربما لا نعرف كم بقي من الوقت...
لكننا نعرف شيئًا واحدًا:
أن من صنعوا أجمل أيامنا، يستحقون أن نصنع لهم أجمل ما تبقى من أيامهم.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0