ثقافة القراءة في عصر الوميض الرقمي

بقلم -عبيرجبريل السفياني
في زمن تتدفق فيه المعلومات كالشلال عبر شاشات الهواتف والأجهزة الرقمية، يواجه فعل القراءة تحديًا متزايدًا، في ظل إيقاع سريع يفرض على الإنسان الانتقال المستمر بين الأخبار والمنشورات والمحتويات المختصرة.
وقد أدى هذا التحول تدريجيًا إلى تراجع نمط القراءة المتأنية لصالح التصفح السريع، حيث يكتفي كثيرون بقراءة العناوين والملخصات والمنشورات القصيرة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول تأثير هذا النمط على القدرة على التركيز والتحليل وبناء رؤية نقدية متماسكة.
ولا تعني العودة إلى الكتاب، سواء في صورته الورقية أو الإلكترونية، مجرد استعادة عادة قديمة، بل تمثل حاجة معرفية تساعد الإنسان على استعادة التوازن بين سرعة الوصول إلى المعلومات وعمق فهمها. فالقراءة العميقة تمنح القارئ فرصة للتأمل، وتفتح أمامه مساحة هادئة للحوار مع الكاتب والأفكار، بعيدًا عن التدفق المتواصل للمحتوى الرقمي.
وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها عدوًا للقراءة، فالمشكلة لا تكمن في الوسيلة ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها. فالكتاب الإلكتروني والمنصات الرقمية أتاحا فرصًا واسعة للوصول إلى المعرفة، وأصبح بإمكان القارئ حمل مكتبة كاملة معه والوصول إلى مصادر متنوعة في أي وقت. غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب وعيًا بضرورة التمييز بين التصفح السريع والقراءة التي تحتاج إلى تركيز ووقت.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة تنظيم علاقتنا بالقراءة، سواء من خلال إحياء المكتبة المنزلية، أو تخصيص وقت يومي ثابت للكتاب، أو إنشاء مساحات للقراءة بعيدًا عن إشعارات الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي. كما يمكن تشجيع الأطفال والشباب على القراءة منذ الصغر، وتحويل الكتاب من مجرد واجب دراسي إلى تجربة ممتعة ومصدر مستمر لاكتشاف العالم.
إن الحفاظ على ثقافة القراءة في عصر الوميض الرقمي لا يعني الانعزال عن التكنولوجيا، وإنما تحقيق توازن واعٍ بين سرعة العصر وعمق المعرفة. فوسط سيل المعلومات المتواصل، تظل القراءة العميقة إحدى أهم الوسائل التي تمنح الإنسان القدرة على الفهم والتأمل وتكوين رأي مستقل، وتحافظ على حضور الثقافة بوصفها ممارسة يومية لا مجرد محتوى عابر.

