برّ الوالدين الرقمي

بقلم - محمد فاروق
يُعدّ برّ الوالدين من أعظم الطاعات وأجلّ القربات إلى الله، وهو الأمر المباشر الذي يلي النهي عن الشرك به. والبرّ هو حبٌّ فطريّ ومحاولةٌ من الأبناء لردّ بعض فضل والديهم، وهو سلوكٌ نبيلٌ تجاه من كانا سبباً في وجودهم، وتعهداهم بالرعاية حين لم يكن لديهم يد تبطش أو سن تقطع ، فغذّوهم وكسوهم وعالجوهم وعلموهم ووفروا لهم كلّ احتياجاتهم بحسب طاقتهم وقدرتهم. لذا، فإن أداء حقوق الوالدين كاملةً يكون بالتواضع التام والرحمة المتناهية، وطاعة أوامرهما ما لم تكن في معصية الله.
لقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة في برّ الوالدين، حتى لنستحيي من ذكرها اليوم لما نراه من فجوةٍ سحيقة بين ما قدّموه هم، وما يقدّمه شبابنا المعتدلون اليوم ، فما بالك بمن لا يكترثون لهذا الأمر أصلاً! لقد سمعنا الكثير من قصص السابقين، ، فهذا أحدهم اتى متاخرا من عمله وخشي ان يوقظهما من نومهما فظل طوال الليل واقفا يحمل اناء اللبن حتى استيقظا مع بذوغ الفجر فسقى لهما ثم شرب هو واولاده، اما الاخر فحمل امه المريضة على ظهره وادى بها مناسك الحج ليرد لها بعض من فضائلها عليه، أما الحسن بن علي رضي الله عنهما فبرغم شده بره بامه الا انه كان لا ياكل معها ابدا فلما سئل عن ذلك قال: " اخاف ان تسبق يدي يدها الى ما سبقت عينها عيناي فاكون بذلك قد عققتها ". تلك كانت صوراً واضحة للبرّ الذي أمرنا الله به، وحذّرنا من عقوق الوالدين، ولو بكلمةٍ أف أو بنظرةٍ عتاب.
تمضي السنون وتتعاقب الأجيال، حتى وصلنا إلى زمنٍ بات فيه البرّ لا يتعدّى ضغطة زرّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ بإرسال كلماتٍ معدودة أو رسالةٍ صوتية للاعتذار عن الانشغال عنهما طوال اليوم. ومن يفعل ذلك يظنّ واهماً أنه من البارّين الموفّين لحقوق والديه، وقد أصبح الكثير من الأبناء لا يتذكّرون والديهم إلا نادراً وأصبح جل انشغاله يتمركز حول عمله وأبنائه ناسياً الحقيقة الساطعة " كما تدين تدان".
أصبح الكثير من الأبناء لا يتذكرون والديهم إلا مرة كل شهر، أو ربما بعد عدة أشهر. فهل تُغني هذه الوسائل عن بر الوالدين؟ وهل تكون بديلة عن تقبيل أيديهم، والشعور بدفء أحضانهم، وغمر قلوبهم بالأنس والأمان؟ بالطبع لا وألف لا؛ فبر الوالدين كنزٌ عظيمٌ يجب أن يغتنمَه من كان والداه أو أحدهما على قيد الحياة؛ فربما يكون ذلك السبيل الوحيد للنجاة من النيران والتنعم في أعلى الجنان. بارك الله في آبائنا وأمهاتنا، أحياءً وأمواتاً.

