google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

انكسار الطين وغرور النار

صورة توضيحية
بقلم/ ولاء مقدام -

في جوف ليلٍ بهيم، حيث سكتت أصوات الكون ولم يبقَ سوى أنين روحٍ تتشظى، كانت تجلس في زاوية غرفتها المظلمة.

كانت دموعها تنساب كحبات من الجمر على وجنتيها، وأنفاسها تخرج مثقلةً بندمٍ يكاد يكسر أضلاعها. أحست أن ذنوبها جبالٌ شاهقة أطبقت على صدرها، وأن أبواب السماء قد أُغلقت في وجهها إلى الأبد.

وفي اللحظة التي بلغ فيها اليأس منتهاه، تجسد أمامها طيفٌ يتسربل بالظلمة. لم يكن له شكل محدد، بل بدا أقرب إلى سحابة من دخان بارد يجمد الدماء. عيناه تلمعان بحقدٍ قديم، وصوته يشبه فحيح أفعى ينساب في شقوق الروح.

اقترب منها، وهمس في أذنها بصوت يقطر استهزاءً:

«أتبكين؟ وما نفع البكاء الآن؟ انظري إلى صحيفتكِ السوداء، لقد تلوثتِ بخطايا لا تُحصى. كيف ترفعين عينيكِ إلى السماء وأنتِ تعصينه كل يوم؟ إنكِ منبوذة، هائمة في الوحل، ولا مكان لكِ في رحمة ربك.»

انتفضت الفتاة خوفًا، لكن نور الفطرة في قلبها أضاء فجأة. مسحت دموعها ورفعت رأسها لتواجه ذلك الطيف.

لقد عرفته.

إنه الغريم الأزلي، منبع اليأس... الشيطان.

قالت بصوتٍ متهدج، لكنه يكتسب قوةً مع كل حرف:

«ومن أنت حتى تقنطني من رحمة ربي؟ ومن أعطاك الحق في أن تضع حدودًا لمغفرةٍ وسعت كل شيء؟»

ضحك الشيطان ضحكةً جافة، واشتد غضبه وكأن كبرياءه قد جُرح، ثم قال:

«أنا الذي عصيت أمر ربي تكبرًا واستعلاءً. حين أُمرت بالسجود لآدم أبيكِ، أبَيتُ واستكبرتُ، وقلتُ: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ}. ظننت أن النار التي خُلقتُ منها تمنحني منزلةً أعلى من ذلك المخلوق الذي خُلق من طين.

وهكذا كانت خطيئتي... لم تكن مجرد زلة، بل كان وراءها كِبرٌ واستعلاءٌ ورفضٌ لأمر الله.

وأنتِ؟ تخطئين مرةً بعد مرة، ثم تبكين وتطلبين المغفرة! كيف ترجين الرحمة بعد كل هذا؟»

صمتت الفتاة لحظة، وتأملت ذلك الكائن الذي أعمته الكبرياء، ثم قالت بهدوء وثبات:

«هنا يكمن الفرق بين خطيئتي وخطيئتك... الفرق بين انكسار الطين وغرور النار.

أنت عصيتَ أمرًا مباشرًا استكبارًا، ورفضت أن تنقاد لأمر ربك، وقد قال الله تعالى:

{أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}.

أما أنا، فأخطئ من ضعفٍ وهوى نفسٍ تغلبني أحيانًا زينة الدنيا وشهواتها، لكنني لا أستكبر على ربي، ولا أنكر فضله، ولا أرفض رحمته.

حين أذنب، ينكسر قلبي، وأطأطئ رأسي خجلًا منه. أعلم أنني لا غنى لي عنه، وأنني فقيرة إلى عفوه ورحمته.

أنا لا أقول إنني أستحق المغفرة، ولكنني أرجوها من ربٍ وصف نفسه بالغفور الرحيم، وفتح لعباده باب التوبة، ولم يجعل اليأس من رحمته طريقًا إليهم.»

اقتربت من النافذة، وبدأ نور الفجر يتسلل إلى الغرفة، ثم قالت:

«ألم يقل ربي:

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}؟

كيف تريدني أن أصدق يأسك، وربّي نفسه يقول لي: لا تقنطوا من رحمة الله؟»

تراجع الطيف إلى الوراء، وكأن كلماتها قد أضعفت الظلام الذي كان يحيط بها.

تابعت الفتاة:

«وربي لم يطلب مني أن أكون بلا خطأ، وإنما فتح لي باب العودة كلما زللت. قال تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.

فما دمت أعود إليه تائبةً، فلا مكان لليأس في قلبي.

أنت اخترت طريق الاستكبار والعناد، أما أنا فأختار طريق التوبة والرجوع.»

بدأ الطيف يتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى لم يبقَ منه سوى ظلالٍ باهتة ذابت في ظلمة الغرفة.

ومع آخر كلمة نطقتها الفتاة، انبلج الفجر.

تسللت خيوط الشمس الذهبية عبر شقوق النافذة، لتغسل وجهها المتعب بنور الصباح.

رفعت يديها إلى السماء، ولم تكن هذه المرة غارقةً في اليأس، بل كانت مملوءةً برجاءٍ وامتنان.

لقد أدركت أن الإنسان قد يضعف ويخطئ، لكن أعظم الخطر ليس في السقوط وحده، وإنما في أن يصدّق أن لا طريق للعودة.

وأن الشيطان قد يفتح للإنسان أبواب المعصية، ثم يحاول أن يغلق أمامه باب الأمل.

لكن باب التوبة يظل مفتوحًا ما دام العبد صادقًا في رجوعه إلى الله.

وهكذا انتصر انكسار الطين على غرور النار؛ لأن القلب المنكسر يعرف طريق العودة، أما القلب الذي استولى عليه الكبر فيرفض أن يعود.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0