google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

الشرق الأوسط في مرحلة دقيقة.. ومصر تواصل جهودها لتحقيق التوازن

-

بقلم - كمال البنداري

من مضيق هرمز إلى باب المندب.. الحرب الأمريكية الإيرانية وتمدد الحوثيين يضعان المنطقة أمام أخطر اختبار، والقاهرة تتحرك لمنع سقوط الإقليم في حرب بلا نهاية.

لم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط اليوم هو: أين ستندلع الأزمة القادمة؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا وخطورة: إلى أي مدى يمكن أن تتسع دائرة النار قبل أن تفقد المنطقة قدرتها على احتوائها؟

فالشرق الأوسط يعيش واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ عقود. حرب مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، ومضيق هرمز تحت ضغط الصراع، وجبهة يمنية عادت إلى الاشتعال بقوة، والحوثيون يوسعون نفوذهم على الساحل اليمني للبحر الأحمر ويصعّدون هجماتهم ضد السعودية، بينما يقف باب المندب ـ أحد أهم شرايين التجارة العالمية ـ في قلب معادلة أمنية وعسكرية شديدة التعقيد.

وفي الخلفية لا تزال القضية الفلسطينية وقطاع غزة حاضرين في قلب المشهد، فيما تواجه المنطقة سؤالًا مصيريًا يتجاوز حدود الدول المتحاربة: هل نحن أمام إعادة تشكيل شاملة لخريطة القوة في الشرق الأوسط؟

حرب تتجاوز حدود أمريكا وإيران

قد يبدو الصراع في ظاهره مواجهة بين واشنطن وطهران، لكنه في حقيقته أصبح أكبر من طرفيه.

فالولايات المتحدة لا تنظر إلى إيران باعتبارها خصمًا عسكريًا فحسب، وإنما باعتبارها مركز شبكة واسعة من النفوذ الإقليمي تمتد بدرجات وصور مختلفة من الخليج والعراق إلى لبنان واليمن.

أما إيران، فتدرك أن ميزان القوة العسكرية التقليدية لا يصب في مصلحتها أمام الولايات المتحدة، ولذلك تصبح أوراق الجغرافيا والطاقة والممرات البحرية والقوى المتحالفة معها جزءًا أساسيًا من قدرتها على الرد والضغط.

ومن هنا تحولت الحرب من مواجهة عسكرية مباشرة إلى صراع على شرايين الاقتصاد العالمي.

فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، وباب المندب ليس مجرد نقطة على الخريطة. إنهما بوابتان تمر عبرهما مصالح دولية هائلة وإمدادات للطاقة وحركة تجارة تؤثر في الأسعار والتضخم وسلاسل الإمداد من آسيا إلى أوروبا والولايات المتحدة.

وعندما تصبح الملاحة في هرمز مهددة، ثم يتزامن ذلك مع تصعيد عسكري في البحر الأحمر وباب المندب، فإن الخطر لم يعد إيرانيًا أو أمريكيًا أو خليجيًا فقط، بل يصبح أزمة اقتصادية عالمية.

الحوثيون.. من حرب اليمن إلى معادلة الإقليم

أخطر التطورات الأخيرة ربما يتمثل في التحول الكبير الذي تشهده الجبهة اليمنية.

فالحوثيون لم يعودوا مجرد طرف داخلي في الحرب اليمنية كما كان يُنظر إليهم قبل سنوات. التطورات العسكرية الأخيرة على الساحل الغربي لليمن واقتراب نفوذهم من باب المندب وضعتهم في قلب معادلة الأمن الإقليمي والدولي.

وهنا تكمن الخطورة.

فمن يملك القدرة على تهديد الملاحة عند باب المندب يمتلك ورقة ضغط لا تخص اليمن وحده، وإنما تمس السعودية ومصر ودول الخليج والقرن الإفريقي، بل والتجارة بين آسيا وأوروبا بأكملها.

والتصعيد الحوثي تجاه السعودية يعيد إلى الأذهان سنوات المواجهة القاسية بين الجانبين، لكن الفارق هذه المرة أن المواجهة تأتي داخل بيئة إقليمية أكثر اشتعالًا، وفي ظل حرب أمريكية إيرانية جعلت كل جبهة محلية قابلة للتحول إلى امتداد لصراع أكبر.

السعودية تجد نفسها لذلك أمام معادلة دقيقة للغاية: حماية أراضيها ومنشآتها ومصالحها الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة قد تتحول سريعًا إلى مواجهة إقليمية يصعب تحديد نهايتها.

إنها معادلة الردع دون الانجرار، والقوة دون فقدان باب السياسة.

الخطر الحقيقي.. حصار الممرات البحرية

إذا كان هرمز يمثل بوابة الخليج، فإن باب المندب يمثل بوابة البحر الأحمر، وبين الاثنين تتحرك اليوم أخطر معادلات الصراع.

وأي تهديد متزامن للممرين يعني أن أسواق الطاقة والتجارة الدولية يمكن أن تواجه أزمة استثنائية.

أما بالنسبة لمصر، فالمسألة أكثر حساسية.

فالبحر الأحمر ليس ملفًا بعيدًا عن الأمن القومي المصري، وباب المندب ليس مجرد مضيق يقع على بعد آلاف الكيلومترات من القاهرة.

إنه البوابة الجنوبية المؤدية إلى قناة السويس.

وبالتالي فإن اضطراب الملاحة في باب المندب ينتقل أثره بصورة مباشرة إلى قناة السويس، ومنها إلى الاقتصاد المصري وإيرادات الدولة وحركة التجارة العابرة بين الشرق والغرب.

لهذا فإن ما يحدث في اليمن والبحر الأحمر لا يمكن لمصر أن تتعامل معه باعتباره أزمة تخص الآخرين.

إنه يمس الأمن القومي المصري مباشرة.

مصر.. قوة التوازن في زمن الاستقطاب

وسط هذا المشهد المضطرب، تظهر أهمية الدور المصري.

فقيمة مصر في الأزمات الكبرى لم تكن يومًا في قدرتها على إضافة جبهة جديدة إلى الصراع، وإنما في قدرتها على منع تحول الأزمات إلى حروب لا يمكن السيطرة عليها.

وهذه ربما إحدى أهم سمات السياسة المصرية في اللحظة الراهنة: الحفاظ على الدولة، ومنع تفكيك الإقليم، ورفض توسيع الحروب، مع حماية المصالح والأمن القومي المصري.

القاهرة تتحرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.

فهي تتمسك بأمن البحر الأحمر وترفض تحويله إلى ساحة مفتوحة للصراع الدولي، وتؤكد أهمية أن تتحمل الدول المطلة عليه مسؤولية أمنه.

وفي الملف الإيراني الأمريكي، دعمت مصر مسارات التهدئة والحوار، ورحبت في يونيو الماضي بمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية باعتبارها خطوة نحو خفض التصعيد، قبل أن تعود التطورات لتؤكد هشاشة أي تهدئة لا تستند إلى تسوية سياسية مستدامة.

وفي القضية الفلسطينية، لا تزال مصر تلعب دور الوسيط إلى جانب شركائها الإقليميين، متمسكة بوقف إطلاق النار، ورفض تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على القضية الفلسطينية باعتبارها قضية سياسية لا يمكن حلها بإجراءات أمنية مؤقتة.

هذه الملفات تبدو منفصلة على الخريطة، لكنها في الحقيقة مترابطة.

فغزة مرتبطة بأمن شرق المتوسط، واليمن مرتبط بأمن البحر الأحمر، والبحر الأحمر مرتبط بقناة السويس، والخليج مرتبط بالطاقة العالمية، وإيران حاضرة بدرجات مختلفة في عدد من ساحات الصراع.

ومن هنا فإن التحرك المصري لا ينبغي النظر إليه باعتباره وساطة في أزمة منفردة، وإنما باعتباره محاولة للحفاظ على التوازن الاستراتيجي للمنطقة بأكملها.

القاهرة والرياض.. أمن لا تفصله الحدود

ويكتسب التنسيق المصري السعودي أهمية استثنائية في هذه المرحلة.

فأمن السعودية بالنسبة لمصر ليس شأنًا خليجيًا منعزلًا، كما أن أمن البحر الأحمر وباب المندب ليس شأنًا مصريًا منفردًا.

البلدان يقعان على ضفتي البحر الأحمر، وأي خلل كبير في أمنه ينعكس عليهما بصورة مباشرة.

ولهذا فإن أي تهديد للمملكة أو لممرات الطاقة والتجارة في البحر الأحمر يفرض ضرورة بناء موقف عربي قادر على الجمع بين الردع السياسي والأمني وبين إبقاء أبواب التسوية مفتوحة.

فالمنطقة ليست في حاجة إلى حرب عربية إيرانية جديدة تضاف إلى الحرب الأمريكية الإيرانية، وإنما تحتاج إلى صياغة معادلة أمن إقليمي تمنع الاعتداء على الدول العربية، وتحفظ سيادتها، وتمنع في الوقت نفسه تحول أراضيها ومياهها إلى ساحات لحروب الآخرين.

مصر لا تبحث عن حرب.. ولكنها تعرف حدود أمنها

هناك فارق كبير بين تجنب الحرب وبين العجز عن مواجهتها.

ومصر، بتاريخها وثقلها العسكري والسياسي والجغرافي، تدرك أن القوة الحقيقية ليست في استخدام السلاح عند كل أزمة، بل في امتلاك السلاح والقدرة على الردع مع إبقاء القرار السياسي هو الذي يحدد متى وكيف تستخدم القوة.

ومن هنا تبدو المعادلة المصرية واضحة: لا رغبة في الانخراط في صراع عسكري إقليمي مفتوح، ولا قبول في الوقت ذاته بأن يتحول البحر الأحمر أو باب المندب إلى مصدر تهديد دائم للأمن القومي المصري.

وهذه المعادلة تزداد أهمية كلما اقترب الصراع من الممرات البحرية المؤدية إلى قناة السويس.

المنطقة أمام خيارين

الشرق الأوسط يقف اليوم أمام طريقين لا ثالث لهما.

الأول هو استمرار منطق الضربة والضربة المضادة: واشنطن تضرب، وطهران ترد، والحوثيون يصعدون، والسعودية ترد أو تستعد للرد، ثم تدخل أطراف أخرى على خط المواجهة.

وفي هذه الحالة لن يكون السؤال: من انتصر؟

بل سيكون: ماذا تبقى من استقرار المنطقة بعد انتهاء الحرب؟

أما الطريق الثاني فهو بناء تسوية إقليمية جديدة تقوم على الاعتراف بأن الأمن لا يمكن تجزئته.

فلا أمن للخليج دون استقرار إيران، ولا استقرار لإيران إذا ظلت في مواجهة مفتوحة مع جيرانها والولايات المتحدة، ولا أمن للبحر الأحمر دون تسوية في اليمن، ولا استقرار حقيقي للشرق الأوسط من دون حل عادل ومستدام للقضية الفلسطينية.

وهنا بالتحديد تستطيع مصر أن تلعب دورًا يتناسب مع تاريخها ووزنها.

ليس دور المتفرج، ولا دور الطرف الذي يندفع إلى أتون الحرب، وإنما دور الدولة التي تستطيع التحدث مع الجميع دون أن تصبح جزءًا من مشروع أي طرف.

عندما تضيق مساحة السياسة.. تتقدم القاهرة

لقد أثبت تاريخ الشرق الأوسط مرارًا أن الحروب قد تبدأ بقرار، لكنها نادرًا ما تنتهي بالطريقة التي تصورها أصحاب القرار.

وقد يستطيع طرف أن يدمر منشأة، أو يحتل موقعًا، أو يغلق ممرًا بحريًا لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع بالقوة العسكرية وحدها بناء نظام إقليمي مستقر.

وهنا تكمن الفرصة المصرية.

فالقاهرة تمتلك علاقات مع واشنطن، وقنوات اتصال مع طهران، وشراكة استراتيجية مع الرياض ودول الخليج، ودورًا محوريًا في القضية الفلسطينية، فضلًا عن موقع جغرافي يجعلها طرفًا أصيلًا في أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط وقناة السويس.

وهذه ليست مجرد أوراق نفوذ، بل مسؤولية سياسية.

فكلما اتسعت رقعة الحرب، ازدادت حاجة المنطقة إلى دولة تستطيع أن تقول للحليف والصديق والخصم في اللحظة نفسها: الأمن لا يُبنى فوق أنقاض المنطقة.

اليوم تمتد النيران من الخليج إلى اليمن والبحر الأحمر، ويقف العالم مترقبًا حركة ناقلة نفط في هرمز، أو صاروخًا في اليمن، أو طائرة مسيرة فوق السعودية، لأن شرارة واحدة قد تغير حسابات أسواق ودول وقارات.

وفي وسط كل ذلك، تظل مصر أمام اختبار تاريخي جديد.

اختبار لا يحتاج إلى شعارات بقدر ما يحتاج إلى سياسة هادئة، وتحالفات قوية، وقوة ردع حقيقية، ودبلوماسية تعرف متى تتحرك وكيف تجمع الخصوم حول الطاولة.

فالشرق الأوسط اليوم لا يحتاج إلى لاعب جديد في الحرب بقدر حاجته إلى قائد قادر على منع الحرب من ابتلاع الجميع.

ومن بين عواصم المنطقة، تبقى القاهرة واحدة من العواصم القليلة التي تملك التاريخ والجغرافيا والقوة السياسية التي تؤهلها للقيام بهذا الدور.

وحين تصبح المنطقة على حافة النار.. تصبح قيمة مصر الحقيقية في قدرتها على منع سقوط الجميع فيها.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0