google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

ريا وسكينة القصة الحقيقية في سجلات القضاء والصحافة المصرية

تامر المنشاوي -

تظل قضية ريا وسكينة واحدة من أشهر القضايا الجنائية في تاريخ مصر الحديث، ليس فقط بسبب بشاعة الجرائم التي ارتبطت بها، وإنما أيضًا بسبب التحول الكبير الذي شهدته القضية من واقعة جنائية موثقة في محاضر الشرطة وسجلات القضاء إلى قصة شعبية تناقلتها الأجيال، ثم أعيد تقديمها في المسرح والسينما والتليفزيون.

وقعت أحداث القضية في مدينة الإسكندرية خلال الفترة من أواخر عام 1919 وحتى عام 1920، وتركز جانب مهم منها في منطقة اللبان والمناطق المحيطة بها. وكانت بداية كشف القضية مرتبطة باختفاء عدد من النساء، قبل أن تقود التحقيقات إلى اكتشاف جثث مدفونة داخل بعض المنازل التي ارتبطت بالمتهمين.

وكانت ريا وسكينة، وهما شقيقتان، في مقدمة المتهمين في القضية، إلى جانب عدد من الرجال الذين ارتبطوا بهما، ومن أبرزهم حسب الله سعيد ومحمد عبد العال وعرابي حسان وعبد الرازق يوسف.

وبحسب ما ارتبط بملف القضية من تحقيقات ومحاكمة، بلغ عدد النساء اللاتي نُسب إلى العصابة قتلهن 17 امرأة، وأصبحت عملية اكتشاف الجثث من أهم الأدلة التي قادت أجهزة التحقيق إلى كشف شبكة الجرائم.

ولم تكن القضية مجرد رواية صحفية أو حكاية شعبية، وإنما وصلت إلى القضاء، حيث جرت محاكمة المتهمين أمام محكمة الإسكندرية الأهلية، وانتهت القضية بإصدار أحكام بالإعدام على ريا وسكينة وزوجيهما وعدد من المتهمين الآخرين.

وفي 16 مايو 1921 صدر الحكم بالإعدام على ريا وسكينة وحسب الله سعيد ومحمد عبد العال وعرابي حسان وعبد الرازق يوسف، قبل أن يتم تنفيذ أحكام الإعدام في ديسمبر من العام نفسه.

وتكتسب القضية أهمية خاصة من الناحية التاريخية لأنها وقعت في مرحلة مهمة من تاريخ المجتمع المصري، كانت فيها أجهزة الشرطة والقضاء والطب الشرعي تشهد تطورًا ملحوظًا. كما أن الصحافة المصرية لعبت دورًا كبيرًا في متابعة القضية ونقل أخبار التحقيقات والمحاكمة إلى الرأي العام.

ومن المصادر المهمة لدراسة القضية الصحافة المصرية المعاصرة، وفي مقدمتها جريدة الأهرام، التي تابعت أخبار القضية والمحاكمة والتنفيذ. كما تناولت الباحثة إيلينا تشيتي القضية في دراسة أكاديمية بعنوان: “Building a national case in interwar Egypt: Raya and Sakina's crimes through the pages of al-Ahram (Fall 1920)” المنشورة في دورية History Compass، وهي دراسة تبحث كيفية تناول الصحافة للقضية وتحولها إلى قضية ذات صدى واسع في المجتمع المصري.

كما يمثل حكم محكمة الإسكندرية الأهلية مصدرًا أوليًا مهمًا، لأنه يتيح الرجوع إلى الإطار القضائي للقضية وأسماء المتهمين والأحكام الصادرة بحقهم، بعيدًا عن الروايات التي ظهرت بعد ذلك بسنوات طويلة.

ومع مرور الزمن، تحولت ريا وسكينة إلى جزء من الذاكرة الشعبية المصرية، وظهرت حولهما العديد من الروايات والتفاصيل التي لا يمكن التعامل معها جميعًا باعتبارها حقائق تاريخية ثابتة. ولذلك فإن دراسة القضية بصورة علمية تقتضي الفصل بين ما ورد في وثائق التحقيق والمحاكمة والصحافة المعاصرة، وبين ما أضافته الأعمال الفنية والقصص الشعبية لاحقًا.

وتبقى قضية ريا وسكينة نموذجًا واضحًا لكيفية تحول حادثة جنائية إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية تتجاوز حدود القضية الأصلية، حتى أصبحت أسماء المتهمين والضحايا والأماكن المرتبطة بالجرائم جزءًا من الذاكرة التاريخية لمدينة الإسكندرية.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0