google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

تكريمٌ عربي لحارس الذاكرة الفلسطينية

أميرة عبد العظيم -

لم يكن التراث الفلسطيني يومًا مجرد حكايات تُروى أو أهازيج تُغنّى، بل ظلّ ذاكرةً حيّة تحفظ ملامح المكان، وتختزن سيرة الإنسان، وتقاوم محاولات الطمس والنسيان. ومن هذا الإيمان بأن حماية التراث هي حماية للهوية، جاء التتويج العربي للباحث والمؤرخ والأكاديمي الفلسطيني الدكتور إدريس محمد صقر جرادات، مدير مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي الفلسطيني، بجائزة المهرجان التراثي لعام 2026م، التي يمنحها الاتحاد العربي للإعلام التراثي التابع لجامعة الدول العربية.

ويأتي هذا التكريم تقديرًا لمسيرة ثقافية وتراثية حافلة، كرّس خلالها الدكتور جرادات جهده للبحث والتوثيق والأرشفة، والعمل على إبراز الموروث الشعبي الفلسطيني ورموزه، وتحويل التراث من ذاكرة معرضة للنسيان إلى حضور ثقافي نابض في المشهد العربي.

وقد ارتبط الفوز، على وجه الخصوص، بجهوده المبذولة في تنظيم وإدارة مهرجانات مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي الفلسطيني، وما رافقها من فعاليات هدفت إلى الاحتفاء بالتراث ورموزه، وتسليط الضوء على الشخصيات الثقافية والأدبية والفنية والفكرية، إلى جانب زيارة أصحاب الإصدارات والمؤلفات وتكريم القامات والهامات التي أسهمت في إثراء المشهد الثقافي الفلسطيني.

ولعل قيمة هذه التجربة لا تكمن في إقامة المهرجانات وحدها، وإنما في الفكرة التي تقف خلفها؛ فالمهرجان هنا ليس مناسبة عابرة تنتهي بانتهاء فعالياتها، بل مساحة لاستعادة الذاكرة، وجمع الشهادات، وتكريم أصحاب العطاء، وربط الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية والاجتماعية.

أدرك الدكتور جرادات مبكرًا أن التراث الذي لا يُوثَّق مهدد بالغياب، وأن الحكاية الشعبية إذا لم تجد من يحفظها قد تضيع تفاصيلها مع رحيل أصحابها. لذلك انشغل بحصر الموروث الشعبي وتوثيقه وأرشفته، وإبراز ما تختزنه الذاكرة الفلسطينية من عادات وتقاليد وحكايات وأمثال وأغانٍ وممارسات اجتماعية، إلى جانب التعريف بأصحاب الإسهامات الأدبية والفنية والفكرية.

ومن هنا تبدو جائزة المهرجان التراثي لعام 2026 أكثر من مجرد شهادة تقدير لشخصية ثقافية؛ فهي اعتراف عربي برسالة ثقافية تتجاوز حدود المكان، وتؤكد أن التراث الفلسطيني جزء أصيل من الذاكرة العربية، وأن صونه مسؤولية ثقافية وإنسانية تتشارك فيها المؤسسات والباحثون والمبدعون.

كما تمثل الجائزة تقديرًا للدور الذي يضطلع به مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي الفلسطيني في خدمة الثقافة الشعبية، وتكريس حضورها في الحياة الثقافية، من خلال المبادرات والفعاليات التي تضع الإنسان صاحب التراث في قلب المشهد، وتمنح المبدعين والباحثين وأصحاب الإصدارات مساحة تليق بعطائهم.

ويحمل هذا التكريم، في بعده الفلسطيني، دلالة خاصة؛ فالتراث في الحالة الفلسطينية ليس ترفًا ثقافيًا، وإنما وثيقة هوية وذاكرة وطن. فالقرية والحكاية والثوب والأغنية والمثل الشعبي والعادة الاجتماعية، جميعها شواهد على علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه وتاريخه ومجتمعه.

وكل جهد يبذل في سبيل حفظ هذه العناصر وتوثيقها هو في جوهره دفاع عن الذاكرة الجمعية، وصون لجسر يصل الماضي بالحاضر والمستقبل.

لقد استطاع الدكتور إدريس جرادات، من خلال مسيرته، أن يجعل من العمل التراثي فعلًا مستمرًا، لا يكتفي بتسجيل الماضي، بل يسعى إلى تقديمه للأجيال القادمة بوصفه مصدرًا للمعرفة والانتماء والوعي. ولذلك فإن تكريمه عربيًا يمثل احتفاءً بمشروع ثقافي يضع التراث في مكانه الطبيعي باعتباره أحد أهم مكونات الهوية الإنسانية والوطنية.

ويُعد هذا الإنجاز إضافة جديدة إلى السجل الثقافي الفلسطيني، ورسالة تقدير لكل الباحثين والعاملين في مجال التراث الذين يواصلون عملهم بصمت، بعيدًا عن الأضواء، من أجل ألا تسقط الذاكرة من بين أيدي الأجيال.

وفي لحظة التتويج، لا يبدو الدكتور إدريس جرادات وحده المكرَّم؛ فالجائزة تحمل معه أسماء الرواة والباحثين والشعراء والأدباء والفنانين وأصحاب الإصدارات، وكل من ساهم في حفظ صفحة من صفحات الذاكرة الفلسطينية. إنها جائزة للجهد الفردي، لكنها في الوقت ذاته تحية لمشهد ثقافي كامل ظل متمسكًا بحقه في الحضور والاحتفاظ بملامحه.

وهكذا يأتي تتويج الدكتور إدريس جرادات بجائزة الاتحاد العربي للإعلام التراثي لعام 2026 ليؤكد أن التراث حين يجد من يحرسه لا يتحول إلى ماضٍ ساكن، بل يصبح ذاكرةً حية قادرة على العبور من جيل إلى جيل. وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتتعدد فيه محاولات طمس الذاكرة، تبقى مهمة حراس التراث أشبه بإبقاء مصباح الهوية مضاءً؛ حتى لا تضيع الحكاية، ولا يغيب المكان، ولا تنقطع الصلة بين الإنسان وجذوره.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0