google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

العــــراك

كريم جلال -

في بدايات الحياة الأولى لم يكن الاستقرار ركيزة تأسيس مهارات الإنسان، فتنقله المستدام بين المناطق، محافظته المستمرة على بقاء النوع بتنوع المهارات والخبرات، أثر تأثيراً جليا على الكثير من الزراعات والمحاصيل، ناهيك عن تباين سبل الرعي والتدجين، واقتباس بعض المهارات من قاطني مناطق أخر، حتى تنصهر في مهارات قديمة لتتبلور مهارة جديدة، في فن القنص والحصاد والصيد وحتى آداب التعامل بين المجتمعات وبعضها البعض، ولعل أكثر المظاهر الجلية كانت في تنقل القبائل الرعوية قبل محاولات الاستقرار في أقطار وأمصار عدة.

لما توسع المصريون القدماء في شتى انحاء العالم القديم، كانوا قد استدجنوا قبلا بعضا من ذوي الربع، ثم تمرسوا من بعض الأمم الأخرى استدجان بعض الطيور الجديدة، وهو ما ألهمهم آليات التطوير في تنشئة بعض المزروعات والاهتمام بالماشية كما أشار الأثري العالم "سليم حسن" في كتابه "موسوعة مصر القديمة" وكيف طور المصريون القدماء أساليب وطرق الزراعة على طول مجرى "نهر النيل" بتنوع يلائم كل بيئة وكل خطوة، وترى ذلك جلياً في تنشئة نبات " اللوتس" وخاصة الأزرق منها على سبيل المثال ، وكيف ساهمت حضارات أخرى – الرومانية- في اندثار تلك النبتة المقدسة ، بما استجلبوه "الروم" من أسماك نهرية عاثت في "نهر النيل" فأنهت تلك النبتة واستبدلتها ب"ورد النيل" النبتة التي أثرت سلباً على العديد من الأسماك النيلية.

على مر العصور كان يكنى أي متميز بأنه عالم فقط ومن ثم تتجلى براعته في مجال ما فينسب إليه دون غيره من المجالات التي ألم بها دون إخلال بخبراته المتنوعة وقد يحتاج العالم الواحد إلى التنقل المستدام بين المدن والأمصار لتلقي العلم من مختلف الأفكار المتباينة، فعلى سبيل المثال ترى الشيخ الطبيب " بن سيناء" قد اشتهر بالطب نظرا لمؤلفه الأشهر على الإطلاق "القانون في الطب" والذي بات أشهر مرجعية طبية لقرون عدة في كافة أنحاء المعمورة، ولكن له "كتاب الشفاء" في الفلسفة و كتابات في الكيمياء والفيزياء والرياضيات والهندسة بل واختصر العديد من مؤلفات" أرسطو" و"إقليدس" ولعل تنقله المستمر خلال فترة شبابه بين بعض المقاطعات الساسانية والتنقل بين مجالات العلم كانا باب الإلهام لكثير من العلوم والإبداع فيهم .

في عصرنا الحالي بات تنقل المرء في مجالات العلم تخبطاً، وتنقله بين المؤسسات عدم ولاء، وباتت الخبرات التراكمية معيار الكفاءة الرئيسي ، والعجيب أن ترى رؤوس الأموال تروج للفكرة الأكثر انتشاراً، كلما تنقلت بين القطاعات والمهن دل على فقرك وعدم قدرتك على الاستقرار، فلابد للشباب من القعود عن فكرة حصاد الخبرات والأفكار، ترى في كثير من تجارب الملهمين فكرة التجربة هي السائدة، فتراهم قد استهموا في مجالات عديدة لفترات وجيزة حتى استشفوا مأربهم، فهل تنقل المرء بين عدة أقسام -كما تفعل المؤسسات المصرفية في تدريب الشباب- أو عدة قطاعات يعد فشلا؟أم ترى هو عين اكتساب الخبرة والتشبع برؤى متباينة لتتبلور الرؤية الشخصية النهائية بعد حين؟هل قتل الفكرة بمكتب وحاسوب والتزام تام يجدي؟ أم ترك مساحات للإبداع وتجسيد التباين بين الشخوص والعقول لنرى مجددين ومفكرين عبر مختلف الطوائف؟

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0