الجاه هيبةٌ ووقار

ما إن يقترب موعد مناسبة اجتماعية، زواجًا كانت أو صلحًا أو جاهةً لطلب القرب والمصاهرة، حتى تبدأ الحركة في الحي والبلدة. تتوالى الاتصالات، وتتعالى الدعوات، وتُفتح أبواب البيوت لاستقبال الضيوف، ويستعد الجميع للمشاركة في مناسبة تُجسد أجمل معاني التآلف والتكافل.
ويوضح د. إدريس جرادات مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي .. هذا الأمر :
هكذا عرفنا الجاهة منذ القدم؛ وفدًا كريمًا يحمل الكلمة الطيبة، ويقصد الخير، ويجمع القلوب، ويُعلي شأن المحبة والإصلاح.
كان كبار السن يرددون: "الجاهة هيبة، وليست كثرة." فلم يكن يُقاس قدرها بعدد الحاضرين، بل بحكمة رجالها، ووجاهة رأيهم، وحسن مقصدهم. وكان حضورها يبعث الطمأنينة في النفوس، لأن الناس يعلمون أن وراءها رجالًا يسعون إلى الإصلاح، أو إلى توثيق صلة رحم، أو إلى مشاركة صادقة في فرح عزيز.
لكن المشهد أخذ يتغير شيئًا فشيئًا. أصبح بعض الناس يظنون أن نجاح المناسبة يقاس بطول موكب السيارات، وكثرة المدعوين، والازدحام الذي تتركه خلفها. وتحولت بعض الوفود الاجتماعية إلى حشود كبيرة تستنزف الوقت والجهد والمال، وتفرض على الناس أعباءً إضافية، في وقتٍ يعاني فيه كثير من الأسر ضيقًا في المعيشة، وارتفاعًا في الأسعار، وشحًا في المحروقات.
وأنت تسير في أحد الشوارع، قد تجد الطريق مغلقًا، والسيارات مصطفة على جانبيه، والأبواق لا تهدأ، وأصوات المارة تتردد: "الطريق زاطمة... الطريق مسكر... تأخرنا... ضربت سيارتي...". وفي تلك اللحظة قد تكون سيارة إسعاف تبحث عن منفذ، أو مريض ينتظر الوصول إلى المستشفى، أو طالب يسابق الزمن إلى امتحانه، أو موظف يخشى التأخر عن عمله. هنا يتحول الفرح، من حيث لا نشعر، إلى عبء على الآخرين.
ولأن تراثنا قائم على الحكمة، فإن الحكمة تقتضي أن نُعيد الأمور إلى نصابها. فالوفد الاجتماعي ليس بحاجة إلى مئات المشاركين حتى يكتسب احترامه، وإنما يكفي أن يضم الوجهاء، وأصحاب العلاقة، ومن يمثلون أهلهم خير تمثيل. وقد صدق المثل الشعبي حين قال: "اللي يحضر يسد." فالمقاصد لا تُقاس بالأعداد، وإنما بصدق النيات وحسن الأداء.
كما أن احترام الناس يبدأ من احترام الطريق. فليس من الفرح أن تُغلق الشوارع، أو تُربك حركة السير، أو تُطلق الأبواق بلا حاجة، أو تتحول المناسبة إلى ساحة للاستعراض. ومن الجميل أن تتعاون العائلات مع أصحاب القاعات في توفير مواقف مناسبة للمركبات، وأن يتولى عدد من الشباب تنظيم حركة السيارات، حتى يبقى الفرح جميلًا، ولا يكون سببًا في إزعاج أحد.
ويقع على عاتق أئمة المساجد، ورجال الإصلاح، والإعلاميين، والتربويين، دور مهم في ترسيخ ثقافة احترام الطريق، وإحياء معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة». كما أن على البلديات والجهات المختصة أن تُلزم القاعات بتوفير مواقف حقيقية للمركبات، لا أن تبقى مجرد بنود مكتوبة في تراخيص البناء.
إن الجاهة ليست موكبًا للسيارات، ولا استعراضًا للأعداد، ولا منافسة في كثرة الحضور. إنها قيمة اجتماعية نبيلة، ورسالة سلام، وصورة من صور التراحم التي توارثناها عن آبائنا وأجدادنا. وإذا أردنا أن نحافظ عليها، فعلينا أن نحافظ على روحها، لا على المظاهر التي أثقلت كاهل الناس وأفقدتها شيئًا من جمالها.
سيبقى تراثنا جميلًا ما دمنا نتمسك بجوهره، ونراجع ما طرأ عليه من عادات لا تنسجم مع مقاصده. ولنجعل شعارنا دائمًا: جاهتنا هيبةٌ ونظام، ويُسرٌ لا عُسر، ورسالةُ محبةٍ لا مظهرُ وجاهةٍ ومباهاة.

