google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

قصص عربية : بلا حدود

صورة توضيحية
أميرة عبد العظيم -


مع إشراقة الصباح وتناثر خيوط الشمس الذهبية قرأت لكم اليوم هذا المقال الأدبي ووجدت أن تبحروا معى في أعماق المعنى الفكري والحقيقي للإبداع
للأديب والناقد
الأستاذ "أحمد طنطاوي "
الذي يوقع بقلمه كلمات لها معنى عن القصة القصيرة جدًا قائلاً:
هى فن الدهشة , و الطرق الهامس على أبواب القلب و الذهن عن طريق استثارة التأمل الفلسفى الشاعرى الجميل ,و السعى نحو قوس قزح التماسًا لبهاءألوانه , و عزفًا لأوتار قيثارة سومر الموغلة فى الِقدم.

تلتقى القصة القصيرة جدًا و القصيدة إذًا فى مسعاهما النهائى كونهما تعبران عن موسيقى الضياء و التوغل داخل المعنى الإنسانى العميق , بيد أن القصة القصيرة جدًا هى بشكل أكثر إلحاحًا تطمح الى تفجير الوعى و السعى للاكتشاف سواء عن طريق المغامرات الذهنية المتمثلة فى الأفكار و المشاعر العارضة و التى تنبثق فجأة و تطرأ كلمحات صوفية نادرة ،أو تلك المنغمسة فى عمق الحياة العادية عن طريق النبش فى زوايا الحياة العادية المهملة أو المسكوت عنها ، أو تلك التى نمر عليها سراعًا لا نأبه بها.
قطار خال من ركابه يسير و يقف على محطات خالية و مع ذلك يسير منتظمًا حثيثًا الى محطة مجهولة فكرة كابوسية عبرت عنها فى نص قديم " محاسن الجاك"(أشبـــاح)
" ويمضى القطار، ولا راكبين ، يمر سريعا عابرًا المحطات ، يقف ، ينطلق خاويًا ، وحين جن الليل ، برزت الأنياب ، راكبوه يخافون الضوء ."

أى معنىً يمكن أن يطرق به هذا المشهد وعى يتنبَّه أو لا وعى متوارٍ خلف جُدر التهيب الوجودى للتطلع و النظر و التقصى ؟ ...توسُّل المعنى الخبىء بتثبيت الإنسان أمام العالم و أمام نفسه بمنظور جديدٍ ... راكبوا قطار يذكروننا بـ "الرجال الجوف" فى قصيدة " إليوت " الشهيرة .
القصة القصيرة جدًا تؤصل تعاملنا و نظرتنا للزمن و تؤسس لوعى أدبى جديد أجزاءه المتحوصلة . تُنتشل من الامتداد الزمنى _كما يظهر فى الرواية مثلا _ لتلقى عليها الضوء الكثيف , فتمثل تعاملا فيزيائيًا خاصًا به يراقب التجليات الروحية كما تظهر فى السلوك العادى , لذلك فالتكعيبية و السيريالية و التعبيرية هى مذاهب يمكن أن تُلاحظ بوضوح فى بنائيات هذا النوع الأدبى بالغ الدهشة تسرى خلاله ملونة السماء بغيمات مبهرات من العادى أن نسمع هذه المصطلحات تطرق أسماعنا بإلحاح تدقيقًا و فى مجال الدراسة و النقد
فى ميدان القصة القصيرة جدًا التماهى .. التناص .. الأسطرة .. الشعرية .. السخرية و الميكروسردية .. الترميز أما الاعتياديةالحياتية فيُنظر اليها فى القصة القصيرة جدًا على سطحٍ آخر موازٍ .. سطح يستثير التساؤل و الدهشة ,
اعتيادية وضِعت على مائدة التشريح والبحث... إنها كالتغريب البريختى تعيد تشكيل الواقع بمعنى جديد لم نكن نلحظه من قبل ؟
كانت القصة القصيرة جدًا أحد إرهاصات العصر الحديث المحتشد بالتساؤل و الحيرة و التسارع و الآليه و التشيوء..اغتراب و تشيؤ, و تسارع يواكب ما يعترى هذا العصر من لهاثٍ و قلق , و من الصعب جدًا الإحاطة بهذا النوع الأدبى على كثافته و ذريته , فهو يتضمن الغنائية و الألوان و الشاعرية و السخرية و الحكمة _ المُستقاة لا المباشرة الفجة واجواؤه هى كعين طائر تنبذ التفاصيل ولا تغرق فى ظلمات الترهل باحثة عن اللب و الجوهر , و تسبح فى
فضاءات لا نهائية عبر جماليات و فنيات خاصة , و إيقاع داخلى خاص .
يمكننا إذًا أن نعقد وشائج قوية بين القصة القصيرة جدًا و فلسفة الزن Zen فيما يتصل بالتأمل و الاكتشاف فهذه الفلسفة " تهتم بالرائى , و ليس الرؤية , فإن كانت الذات هى محور الملفات الحلزونية , و ليست أبدا موضعة
objectified
أو مو قعنة
factualized
فإنها تبقى خارجا .. و تريد منا " الزن " أن نمسك بها بيدينا
العاريتين , فتتحقق الاستنارة و الإشراق ... الاستنارة الداخلية
التي تأتي في لمحة خاطفة " فيما يقول [د. ت سوزوكى] أستاذ الفلسفة البوذية , وهو ما تحاوله أيضًا القصة القصيرة جدًا حيث أساسها تكوين القارىء الجديد .. القارىء الفاعل المشارك (القارىء المؤلف الثانى) للنص ليتجسَّد التحقق الجمالى الذى تدعو اليه نظرية القراءة و التقبل الحديثة أو علم التلقى عبر استكناه الدلالات و التفاعل و التأويل من خلال ملء فراغات النص التى لا تُنبىء بكل شىء بل تشير من بعيد كأنجم تومض , و تدعو للتدخل , و تظل المغامرة المدهشة _ تبادلا _ بين القارىء و النص عبر آليات الانغلاق و الانفتاح لكليهما كما رأى " امبرتو إيكو" , وكما بيَّن" رولان بارت " فى التعامل مع النص لذةً و اشتهاءً .
أصبح القارىء أكثر إبداعاً و مشاركة فى النص _بشكل أكثر وضوحًا مما يحدث فى الرواية و المسرحية , و حتى القصة القصيرة _ و ربما نصل الى حد القول أنه أصبح المؤلف الحقيقى , و ما الكاتب إلا هذا الذى يُلقى اليه بقطعة خشبية فى البحر المتلاطم عله يصل بها الى جزيرته المنشودة كما ذكرنا , لأن آفاق الانفتاح و التأويل فى الجزء المقَتَطع و تلك الشريحة بالغة الكثافة تصيب بالدهشة و الدوار و تدعو للتساؤل النشِط .
و لئن كانت القصة القصيرة قبلها قد سلطت الضوء على الموقف المُختَزَل , و قامت بتثبيته , فإن الميكروسكوبية و الميكروسردية هنا قد بلغت أقصاها تعاملا .
للقصة القصيرة جدًا إيقاع داخلى هامس , و موسيقى خفية كما فى قصيدة النثر.. يستشعرهما القارىء فى تنظيم مجريات الشعور عنده , و قد يكون الأمر صعبًا , لكنه بالتأكيد نوع من التفاعل الذى يصعب شرح آلياته لأنه يتصل بما يشابه رحلة الصوفى فى معراج الكشف و التجلى , و أداته الحدس كدرب معرفى لا ينتهى و لا تحده تخوم .. فليس فى القصة القصيرة جدًا مناداة للمنطق الجامد , أو اتكاء على الحساب العقلى الصارم , لأن المجال ها هنا هو التعامل مع إحداثيات الروح التى يستحيل الإمساك بها .. هى تُرى فقط و تُبلَّغ , و تدعو فى الوقت نفسه للتنامى الحدسى سعيًا للاستنارة و التبصر .. مصدر الخلاص هو الاستنارة الداخلية التي تأتي فجأة في لمحة خاطفة , و تبزع كحلمٍ خلاب ..تقاطعات كونية برَّاقة تتماس مع الإلهامات المتشظية المتطايرة .
أُطـِّرت الدهشة كلوحة غريبة و أصبح التعامل مع السماء و الفضاء أكثر توسلا و رحابة , ثمة عالم سماوى غامض يحتوى ما لا يحصى من الدلالات و الأخيلة الروحانية المدهش, ولاشك أن أمام القصة القصيرة جدًا الكثير من التجارب الفاعلة لتؤسس مكانها اللائق على قواعد صارمة راسخة عن طريق تدعيم
التشكيل الفنى للنص و ايجاد لغة خاصة للتعامل مع اللاوعى _ و حتى مع الوعى نفسه _ بطرائق أكثر ملامسة و تنقيبًا فالهلع ..و رعب الرؤية و الحقيقة .. ازالة التهيب و الخوف من سبر المجهول هى نقاط شعورية و تدريب من نوع خاص للاقتحام و التوغل عبر الكوة الصغيرة لرؤية ما وراء السد أو الجبل.
ستظل الأصوات المبهمة الآتية من خلف الجبل مؤرقة لنا , و ها نحن نحاول أن نقتحمها و نمسكها بأيدينا دونما وجل .
الزمن فى القصة القصيرة جدا لا يُشترط أن يكون هو الزمن الفيزيائى بشكله المألوف , انه زمن خاص _ كعالم الحُلم _ لا يتقيد بهذا النظام بل يثبت , أو يقفز و يعود.. التفاف دائم و دوائر جدلية تنفى و تنفى النفى .
هذه القصص تحتاج قراءة خاصة و قارىء جديد ليس تقليديًا .. قارىء بريختى متفاعل , لكنه تفاعل يتصل بالروح بغية الوصول لنقطة انسجام روحى , ثمة قصة كانت تتكلم عن حجرتين تفصل بينهما مرآة مزدوجة لكل حجرة وجهها , فى الحجرة الأولى يقف الزوج ذات ليلة و فى الثانية تقف الزوجة ,
كلاهما ينظر لوجه المرآة الخاصة به .. فى الصباح كانت الشرطة تتفحص مكان الجريمة فى الحجرتين التى كُسرت المرآة الفاصلة بينهما .
يمكننا أن نتخيل _جثث شمعية مسجاة .. لنحاول .. ليلة توقف عندها الزمن تمتلىء بالأسرار الغامضة التى كُشفت فجأة لتُخلف الهلاك .. كانت المرآة هى المُفضية الفاضحة _ عبر نظرات كل منهما للآخر [تلك المستترة و المتخيَّلة ] _ كل وجه مقابل سطح مصقول , لكنها النظرة .
لكن النظرة أيضا ملتبسة و مراوغة . قسَّمت القصة المشهدالى نصفين _ على المستوى الرأسى _ دعمها ذلك العمود الجدارى الحاسم الذى يحمل مرآة شيطانية , سنملأ نحن فراغات النص بكل المفردات الممكنة تلقائيًا, كعناصر الحركة و السكون , و الإضاءه _ على المستوى الأفقى _ , و سنقتحم رغمًا عنا البعد الرابع كأننا فى الغرفتين معًا و فى نفس اللحظة .. كل هذه المدلولات , تدعِّم فى هارمونية إزدواجية الموت و الحياة عبر تجسيد صارخ مذهل لشخصين توقفت بهما الحياة هنا فى مشهد كارثى .. أداة مكاشفة و نزع للأقنعة و مواجهة _ و لو أن المكان غرفة واحدة و مواجهة مباشرة لفُقد المغزى و نُسف نسفًا , لكنها هنا الوحدات ( المنفصلة المتحدة ) موت أراه شبقيًا يؤكد ثنائية الحياة و الفناء , أو "الوجود و العدم, و كل التأويلات متاحة .. الخيانة المهانة الضعف الانكسارالشهوة المكسورة و الشبق الأعمى التسلط الحقد الدفين و المحرمات التى يحملها زورق الماضى الرمادى الغامض الى آخر تلك المعانى المستباحة .
هذا نموذج
و النموذج الآخريتمثل فى قصة بعنوان " الثقب "
" بذات الثقب يتسلل ..
تستمع عيناه لشيء ما ..
تتلفت يمنة،،ثم يمنة ...
لا يجد ما لا يبحث عنه ...
يعدو على بساط الضوء،،
باتجاه العتمة ..
ما بين ساقيه و عيناه ...
ربع خال... بعثرته المفاجأة "
ها هو بُعد خامس للفكرة .. بعد يمزق الستر فى صخب كاشفًا عن وميض .. ثلاثية الحكمة و الفضول و الإشراق .. فلنتمعن , لا خطوط فاصلة بين الموت و الحب و الحقيقة , و الشهوة النارية تقبع فى سكون عند تخوم الروح .. ها هنا ألق و ألم و عذاب , و نداء أبدى مكلوم... الجسد وعاء , و سؤال حائر يشاكس الحقيقة كى تبين , إشراقات تُحيل من الاعتيادى الى المتعالى فى نص شديد العمق باستدعاء " التوليد السقراطى " استخراجًا للمعرفة من داخلنا باعتبارها أصليه , لكنها مخزونة غير بادية , تعلوها الأتربة , و يجب فقط إزالتها , فتبين بالتدريج , و تتكشف و نكتشف _ نحن من داخلنا_ معرفتنا المستترة .
هذا ولوج إذًا دون استئذان لمجاهل أرواحنا , أو أنها من زاوية
أخرى _ و بتناول فلسفى _ تلميح لميتافيزيقية التلصص و التحديق و محاولة كسر حاجز ما هو خفى من الأسرار و المسكوت عنه على كل المستويات السيكولوجية و الذهنية على حد سواء عبر المرايا و الجدران و الثقوب .. هذا ً حُلم يمثِّل لوحة تكعيبيةغريبة و هو نموذج تطبيقى للتناول و القراءة .
يمكننا أن نرى النص وفق تأويلات عدة و اتكآت مختلفة تستند الى نظريات التحليل الفرويدى و آليات الحُلم و الترميز و المنحى الإيروتيكى كالعودة للرحم
و الاشتهاء .. الى آخره .
نحن إذًا فى الحقيقة أمام عالمين كلاهما نعيشه .. أحدهما ظاهر متعب بنظامه و قسوته المنضبطة المقيِدة, و الآخر داخلنا .. متوارِ و خبىء و خجِل و حر فى نفس الوقت .
الحُلم هو المكافىء الرمزى لعالم نحياه وفق أطر و تحديدات و قواعد , و منطق خاص به , عالم حر تموج فيه آلاف و آلاف و آلاف من الرغبات و المخاوف و الذكريات و الأمانى , و التوحش و الريبة , و لأن مفرداته تلك مبعثرة غير مرتبة تعمها الفوضى و يشملها الاضطراب و متداخلة , لذا يأتى الحُلم أيضاً وفق منطقه هو المبعثر الفوضوى .
تتكسر القيم المنطقية ( الواقعية ).. و تنمحى قواعد هذا الواقع النى ننظمها نحن , أو تُنظم لنا , و ينطلق داخلنا فى علاقات غير منظمة يتم فيها تجميع المتناقضات بعشوائية _ و ربما ببراءة أو وحشية .. أو كلاهما معًا و فى نفس الوقت , فنصبح بإزاء عالم من التشوش و الارتباك كما بدا هنا .
و هذا الأمر أراه هامًا جدًا فيما يتعلق بالقصة القصيرة جدًا على وجه الإجمال , باعتبارها حلم متصل و دائم مقسم الى وحدات متناهية الصغر .
فى بيان "آندريه بريتون " سنة 1924م زعيم الحركة السيريالية ذكر فى تعريفها أنها :
"التلقائية الفنية النفسية المجردة و التي تمكننا من التعبير إما عن طريق الكتابة أو بأي طريقة اخرى .. و هي العمل الحقيقي للفكرة ، السيريالية هى كتابة و املاء الفكرة بعيدًا عن سيطرة العقل و بعيدًا عن أي استغراق خيالي و جمالي "
و لذلك فقد انتشرت السيريالية شاملة الفنون المرئية و الأدب و الأفلام و الموسيقى , و إن كانت قد ظهرت بشكل واضح و صارخ فى مجال الرسم تعتمد السريالية إذًا على تحرير المخيلة , و إطلاقها من إسار العقل و الواقع و المنطق .
أعتقد أن القصة القصيرة جدًا شكل حداثى يردد مع " رامبو "
أن ( اختراعات المجهول تطالب بأشكال جديدة ) يمكن أن تتعامل مع الحلم فى حال تثبيته " أو على الإبقاء على تلك اللحظات السحرية التى هى ما قبل النوم _ مباشرة أى حالة التأرجح بين النوم و اليقظة _ " و التى تحل فيها محل الحواس الخمس .. خمسون ألف حاسة غيرها غريبة عن البشرية " كما قال (إدجار الآن بو) .
فهل تحتاج القصة القصيرة جدا بيانًا يدشِّن انطلاقاتها و يحدد توجهاتها كما فعلت السيريالية و بحثها المستميت ( الدؤوب) فيما وراء العالم المرئى ؟.
منقول عن
الأديب أحمد طنطاوى

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0