د. إدريس جرادات :الاستعراض الرقمي حوّل القيم الإنسانية إلى سباق على الإعجابات

تدير الحوار الباحثة والأديبة - أميره عبدالعظيم
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لكنها في الوقت نفسه فرضت أنماطًا جديدة من السلوك، أبرزها الميل إلى استعراض تفاصيل الحياة الخاصة سعياً وراء التفاعل والإعجابات.
فما حدود المشاركة المقبولة؟ ومتى تتحول إلى استعراض يهدد الخصوصية والقيم الاجتماعية؟
في هذا الحوار، يتحدث الدكتور إدريس جرادات، الباحث في التراث الشعبي ومدير مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي، عن ظاهرة "الاستعراض الرقمي"، وآثارها الاجتماعية والنفسية، والسبل الكفيلة بإعادة التوازن بين العالمين الواقعي والافتراضي.
إليكم نص الحوار:
بدايةً.. كيف تنظرون إلى ظاهرة نشر تفاصيل الحياة الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي؟
-أصبحت بعض منصات التواصل ساحة لعرض تفاصيل الحياة اليومية بصورة مبالغ فيها، حتى تحولت كثير من القيم الإنسانية إلى محتوى رقمي يقاس بعدد الإعجابات والمشاهدات، بينما الأصل أن تبقى بعض المواقف الإنسانية في إطارها الطبيعي بعيدًا عن الاستعراض.
تلاحظون انتشار صور تقبيل أقدام الوالدين أو توثيق مظاهر البر بهما.. كيف تقرأون هذه الظاهرة؟
-بر الوالدين قيمة دينية وأخلاقية سامية، ومكانها الحقيقي في الرعاية اليومية والخدمة والاحترام، وليس بالضرورة أمام عدسات الهواتف. وعندما يتحول هذا السلوك إلى مادة للنشر، قد يفقد شيئًا من معناه الروحي، خصوصًا إذا كان الهدف هو الحصول على التفاعل أو الثناء.
وماذا عن تبادل عبارات الحب والغزل بين الأزواج على الملأ؟
-التعبير عن المشاعر بين الزوجين أمر طبيعي وجميل، لكن الإفراط في نشر التفاصيل الخاصة قد يضعف خصوصية العلاقة الأسرية. ففي كثير من الحالات تصبح هذه المنشورات محاولة لتقديم صورة مثالية للحياة الزوجية لا تعكس الواقع، وهو ما قد يدفع الآخرين إلى المقارنة غير الصحية.
البعض ينشر أيضًا الخلافات العائلية على مواقع التواصل... ما انعكاسات ذلك؟
الأسرة يجب أن تبقى مساحة آمنة لحل المشكلات بالحوار. أما نقل الخلافات إلى الفضاء الإلكتروني فيفتح الباب أمام تدخلات وتعليقات قد تزيد الأزمة تعقيدًا، لأن الجمهور لا يعرف خلفيات المشكلة، وغالبًا ما يتعامل معها بعاطفة أو انحياز.
وكيف ترون نشر تفاصيل الرحلات والمناسبات واليوميات؟
-مشاركة اللحظات السعيدة ليست خطأ في حد ذاتها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى استعراض دائم، أو وسيلة لإبراز الفوارق الاجتماعية والاقتصادية. فالإفراط في عرض مظاهر الرفاهية قد يخلق شعورًا بالمقارنة أو الإحباط لدى بعض المتابعين.
تحدثتم أيضًا عن ظاهرة "النفاق الرقمي"... ماذا تقصدون بها؟
أقصد المبالغة في عبارات المديح أو الإشادة التي لا تستند إلى الواقع، بهدف المجاملة أو تحقيق مصالح أو زيادة التفاعل. وهذا يؤدي إلى تشويه معايير التقييم، بحيث يصبح عدد الإعجابات بديلاً عن الكفاءة والإنجاز الحقيقي.
برأيكم.. كيف أثرت هذه الممارسات في المجتمع؟
-أسهمت في خلق مجتمع رقمي استعراضي، تراجعت فيه الحدود بين العام والخاص، وأصبح كثير من الناس يقيسون النجاح أو المكانة الاجتماعية بحجم التفاعل الإلكتروني، لا بما يحققونه من أثر حقيقي في حياتهم ومجتمعهم.
ما أبرز الحلول للحد من هذه الظاهرة؟
البداية تكون من داخل الأسرة، عبر الاتفاق على ما يجوز نشره وما يجب أن يبقى خاصًا، مع احترام خصوصية جميع أفراد الأسرة، وخاصة الأطفال.
كما أدعو إلى تدريب النفس على الاستمتاع باللحظة دون الحاجة إلى تصويرها أو نشرها، وإدراج مفاهيم التربية الإعلامية والرقمية في المدارس، حتى يدرك الأبناء مخاطر الإفراط في مشاركة حياتهم الخاصة.
وما الدور المطلوب من المؤسسات الثقافية والتربوية؟
-ينبغي توجيه اهتمام الشباب إلى إنتاج محتوى هادف يوثق التراث الشعبي، والحرف التقليدية، والتاريخ الشفوي، وقصص النجاح المحلية، بدلاً من التركيز على استعراض اليوميات.
كما يمكن للمؤسسات تنظيم مسابقات وورش عمل حول حماية الخصوصية الرقمية، وإنشاء صالونات ثقافية ولقاءات مباشرة تشجع على التواصل الإنساني بعيدًا عن الهواتف.
وما الرسالة التي تودون توجيهها لمستخدمي وسائل التواصل؟
أدعو الجميع إلى التوقف لحظة قبل الضغط على زر "نشر"، وطرح سؤال بسيط على النفس: هل سيضيف هذا المنشور قيمة حقيقية للآخرين؟ أم أنه مجرد محاولة لجذب الانتباه؟
التكنولوجيا ليست المشكلة، بل طريقة استخدامها. والحل ليس في مقاطعة وسائل التواصل، وإنما في أن نجعل حياتنا الواقعية أكثر ثراءً ودفئًا وعمقًا من الحياة الافتراضية، وأن نحافظ على القيم الإنسانية والخصوصية باعتبارهما أساس العلاقات الاجتماعية السليم.


