google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

كرسي في آخر القاعة

صورة توضيحية
أميرة عبد العظيم -


يجتمع الناس كل مساء في "مركزٌ السنابل "، والذي يقنط في وسط المدينة، مرةً لتنظيم حملة نظافة، ومرةً لمساعدة أسرة محتاجة، وأخرى لتعليم الأطفال بعد انتهاء الدوام المدرسي.

وفي أحد الأيام، جاء رجل أنيق الثياب، تفوح منه رائحة العطر، ويحمل هاتفًا لا يفارق يده. كان يعرف كيف يدخل المجالس بثقة، وكيف يقف في المكان الذي تلتقطه عدسات الكاميرات يصافح الجميع بصوت مرتفع، ويكثر من العبارات الرنانة عن خدمة المجتمع والعمل التطوعي.

أُعجب به كثيرون، فكلما تَكلم صفقوا، وكلما التُقطت صورة حرص أن يكون في مقدمتها.

هناك في الزاوية البعيدة من القاعة، يجلس رجل بسيط تجاوز الخمسين من عمره. ثيابه عادية، وكلامه قليل، لكنه كان أول من يفتح باب المركز صباحًا، وآخر من يغلقه مساءً. يصلح الكراسي المكسورة، ويرتب القاعة، ويوصل الطرود للأسر المحتاجة بسيارته القديمة، وإذا نقص المال أخرج من جيبه بصمت، ثم أوصى الجميع ألا يذكروا اسمه.

مرّت الأسابيع، تعطلت مضخة المياه في المركز، واحتاج السقف إلى إصلاح، وأصبحت بعض أنشطة المركز مهددة بالتوقف.

قال أحد الحاضرين:
"نحتاج إلى من يبقى معنا اليوم حتى ننتهي."

نظر الرجل الأنيق إلى ساعته وأردف مبتسمًا:
كنت أتمنى، لكن عندي ارتباط مهم.

وغادر مسرعًا.

في اليوم التالي اعتذر، وفي الأسبوع الذي يليه اختفى، ولم يعد يظهر إلا في المناسبات التي تُلتقط فيها الصور.

أما الرجل البسيط، فقد بقي. أحضر عامل الصيانة، وساهم في تكاليف الإصلاح، وحمل الطاولات بيديه، وبقي حتى أضاءت القاعة من جديد.

بعد أشهر، أقام المركز احتفالًا صغيرًا للأطفال.

وقف أحد الصغار وسأل بصوت عفوي:
"عمو... لماذا لا نرى ذلك الرجل الذي كان يقف دائمًا أمام الكاميرا؟"

ابتسم الدكتور " إدريس جرادات " مدير المركز قائلاً:
"يا بني، بعض الناس يحبون الصورة أكثر من العمل، وبعضهم يحب العمل حتى لو لم تظهر له صورة."

ساد الصمت.

ثم أشار إلى الرجل الجالس في آخر القاعة، وقال:
"أتدري لماذا يجلس هناك؟ لأنه جاء ليخدم المكان، لا ليشغل المكان."

التفتت الأنظار إليه لأول مرة. لم يتغير شيء في هيئته، لكن الجميع شعر أن الرجل الذي كان يجلس في آخر القاعة كان، في الحقيقة، يحتل المكان الأكبر في قلوب الناس.

ومنذ ذلك اليوم، صار أهل الحي يرددون:
"ليس المهم من يجلس في صدر المجلس، بل من يحمل همّ المجلس على كتفيه."

فالضجيج قد يجذب الأنظار، أما العطاء الصامت فيكسب الاحترام... ويبقى أثره طويلًا بعد أن تختفي الصور.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0