google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

السرد بوصفه ذاكرة وهوية: قراءة في ثنائية «آشا» لسمر نور

صورة توضيحية
أميرة عبد العظيم -


عندما تقرأ الروايةةفإنها تبدو أكثر من مجرد حكاية تُروى فهي وعاء للذاكرة، ووسيلة لحفظ هوية مهددة بالنسيان.
من هذا المنطلق تنطلق الكاتبة سمر نور في ثنائيتها الروائية
"آشا الجعران والقمر"
و"آشا يوم وصول الرجل الأحمر"، لتقدم عملاً يتجاوز حدود السرد التقليدي، ويعيد تشكيل العالم النوبي بما يحمله من تاريخ وموروث وثقافة وإنسان.

ومنذ العتبة الأولى للنصين، يكتسب عنوان الثنائية دلالته الرمزية فاسم "آشا" المحفور في العقل النوبي، يشير بإصبع واضح إلى النور الخارج من رحم العتمة، وهو المعنى الذي يتجسد في البطلة بوصفها حلقة وصل بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة المجملة والواقع وشبح الغياب اللذي يهدده .

تدور أحداث الرواية الأولى حول قرية "الشباك" النوبية التي تحاصرها لعنة غامضة، حيث لا تلد نساءها إلا الإناث لسنوات متتالية، فتتحول الأسطورة إلى مدخل لاستكشاف المجتمع وأسئلته الوجودية.
أما الرواية الثانية، فتستند إلى خلفية تاريخية تتمثل في وصول قائد إنجليزي أرسله الخديوي لمعاقبة النوبيين الذين ساندوا جيش المهدي، لتنتقل الأحداث من فضاء الأسطورة إلى فضاء التاريخ، دون أن تفقد الرواية روحها الإنسانية.

ورغم وحدة المكان والشخصية المحورية، تختلف تقنيات السرد بين العملين ففي "آشا الجعران والقمر" تعتمد الكاتبة على الراوي العليم الذي يحيط بالأحداث والشخصيات، بينما تلجأ في "آشا يوم وصول الرجل الأحمر" إلى تعدد الأصوات، حيث تتناوب اثنتا عشرة شخصية على رواية الأحداث، في بناء قوي يمنح النص ثراء ويكشف تعددية الرؤى داخل المجتمع النوبي، بمختلف أطيافه وأجياله.

ومن أبرز ما يميز الثنائية استنادها إلى التراث الشفهي النوبي، الذي لا يظهر بوصفه مساحيق للزينة اللغوية، بل باعتباره أحد محركات السرد تبدأ الرواية الأولى بالصيغة التقليدية للحكي النوبي: "تقول الرواية النوبية: حكاية... حكاية من الله. يرد قارئ الرواية: خير... خير من الله" ، وهو استهلال يعلن منذ البداية انتماء النص إلى الذاكرة الشعبية، ويشرك القارئ في طقس الحكاية كما لو كان أحد أفراد المجلس.

ولا يفوتنا التنويه إلى أن شخصية الجدة احتلت موقعاً محورياًةللحكاء داخل هذا العالم، فهي ليست مجرد راوية للحكايات، وإنما حافظة للذاكرة الجماعية ومرشدة للأجيال. كما توظف الكاتبة الحكايات الشعبية بوصفها وسيلة للتعبير غير المباشر عن مشاعر الشخصيات وصراعاتها فحكاية الفتاة التي نزلت تحت الأرض تصبح رسالة تبعث بها "آشا" إلى أبيها كي تثنيه عن الزواج مرة أخرى، بينما تكشف حكاية الذبابة وجرح التمساح في الرواية الثانية عن الندم والخراب النفسي الذي يعيشه "حمدون" بعد وشايته بأهل قريته.

ولم تكتفي الكاتبة باستحضار التراث، بل تنسج خيوط السرد مع وقائع التاريخ النوبي، فتستدعي شخصيات تاريخية مثل "الملكة الكوشية" أماني ريناس "والملك طهرقا،" كما توظف أحداثاً تاريخية مثل معارك جزيرة فيلة، ومطاردة الحملة الفرنسية للمماليك، وحملات محمد علي باشا، لتمنح العمل بعداً تاريخياً يعمق الشخصيات ويكشف ما تعرضت له النوبة من تهميش في السرديات الرسمية.

وتطرح الروايتان، من خلال هذا الامتزاج بين التاريخ والمتخيل، قضايا إنسانية لا تزال راهنة، منها الفقر والجوع والمرض والعبودية، إضافة إلى مأساة نهب الآثار، وتحول الحضارة العريقة إلى عبء على شعوب تمتلك ماضياً مجيداً، لكنها تعاني هشاشة الحاضر وغموض المستقبل.

وهنااستطاعت الكاتبة أن تخطو خطوات ناجحة في بناء عالم روائي نابض بالحياة عبر استحضار تفاصيل الموروث الشعبي النوبي فتتردد الأغاني والرقصات الشعبية، والاحتفالات، والأزياء التقليدية مثل "الجرجار" ، إلى جانب الطب الشعبي، والأمثال، والمعتقدات، والمفردات النوبية التي تتناثر في متن الرواية، فتمنح النص مذاق الأصالة والثقافة الشعبية
كذلك ترصد طقوس الزواج، وقدسية الرقم سبعة في الوعي النوبي، والاعتقاد في بعض الظواهر الطبيعية، بما يجعل الرواية وثيقة ثقافية بقدر ما هي عمل أدبي سادته الحبكة.

ويظل النيل الشخصية الأكثر حضوراً في هذا العالم الروائي فهو ليس مجرد مجرى للمياه، وإنما كائن حي يرتبط بالإنسان النوبي بعلاقة روحية عميقة. تستعيد الرواية ألعاب الأطفال في مياهه، والأساطير المرتبطة بعالمه الخفي، والإيمان بوجود كائنات طيبة وأخرى شريرة تسكن أعماقه، ليغدو النهر فضاءً للأسطورة والذاكرة والهوية في آن واحد.

في المجمل، تقدم ثنائية "آشا" نموذجاً للرواية التي تؤدي وظيفة ثقافية إلى جانب وظيفتها الجمالية. فهي لا تكتفي بسرد الحكايات، بل تعيد الاعتبار لذاكرة شعب، وتحفظ تفاصيل حياته اليومية، وتستحضر تاريخه، وتوثق موروثه الشفهي، مؤكدة أن الأدب قادر على أن يكون حصناً آمناً للهوية في مواجهة النسيان، وأن الحكاية تظل، مهما تبدلت الأزمنة، أهم لا و أكثر الوسائل التي إستطاعت أن تقاوم النسيان وتنسج خيوط تصون الذاكرة الإنسانية.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0