google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

حين يختلط الذهب بالنحاس... أزمة الألقاب الأكاديمية

صورة توضيحية
أميرة عبد العظيم -

لم يكن لقب "دكتور" في يوم من الأيام مجرد كلمة تُسبق بها الأسماء، ولا زينة اجتماعية تُعلَّق على بطاقات التعريف، بل كان ثمرة رحلة طويلة من الاجتهاد والبحث

وبحسب ما قاله دكتور إدريس جرادات رئيس

مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي:

الدكتوراه ليست زينة... بل مسؤولية ومعرفة

والتضحية.

وراء هذا اللقب ليالٍ ساهرة، ومختبرات، ومكتبات، ورسائل علمية، ومناقشات مضنية، وسنوات من الصبر حتى ينال الباحث أعلى درجة علمية عن استحقاق.

غير أن المشهد الثقافي والإعلامي بات يشهد ظاهرة مؤلمة، فقد ظهرت ما يمكن تسميته بـدكاكين الشهادات، وهي جهات تتخفى خلف مسميات براقة لتبيع الوهم في هيئة ألقاب وشهادات، وتمنح الناس شعورًا زائفًا بالمكانة العلمية، بينما لا تمنحهم شيئًا من المعرفة.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس الورقة المزخرفة التي تُسلَّم للمشتري، بل ما يترتب عليها من تضليل للمجتمع. فحين يتصدر المشهد من يقدَّم بوصفه "دكتورًا" أو "خبيرًا" دون مؤهل علمي معترف به، يصبح الرأي المبني على المعرفة مساويًا للرأي القائم على الادعاء، وتختلط المعايير، ويضيع ميزان الكفاءة الذي تقوم عليه الأمم.

إن الدكتوراه الأكاديمية ليست هدية، ولا مكافأة، ولا لقبًا اجتماعيًا، وإنما هي حصيلة سنوات من الدراسة والبحث العلمي الرصين. تبدأ بالحصول على المؤهلات الجامعية، ثم المرور بمراحل الدراسات العليا، وإعداد أطروحة تقدم إضافة حقيقية للمعرفة، وتخضع لتحكيم علمي صارم ومناقشة علنية أمام لجنة من المختصين. وفي كثير من الجامعات المرموقة، لا تُمنح الدرجة إلا بعد نشر أبحاث علمية محكمة مستلة من الرسالة.

أما الدكتوراه الفخرية فهي تكريم معنوي تمنحه جامعات عريقة لشخصيات تركت أثرًا استثنائيًا في الفكر أو الأدب أو العلوم أو العمل الإنساني أو خدمة المجتمع. وهي ليست درجة أكاديمية، ولا تخوّل صاحبها ممارسة العمل الأكاديمي أو استخدام اللقب بوصفه مؤهلًا علميًا، وإنما تمثل تقديرًا لمسيرة إنسانية أو إبداعية استثنائية.

ومن هنا، فإن الخلط بين الدكتوراه الأكاديمية والدكتوراه الفخرية، أو استغلال الثانية لإيهام الناس بامتلاك الأولى، يمثل إساءة إلى العلم وإلى التكريم معًا.

والمؤسف أن بعض الجهات وجدت في هذا الخلط بابًا للربح السريع، فصار اللقب يُسوَّق كما تُسوَّق السلع، وتُمنح الشهادات مقابل رسوم مالية، أو تُكتب الرسائل العلمية بأجر، وكأن المعرفة يمكن شراؤها كما تُشترى أي بضاعة. وهنا لا نتحدث عن مخالفة إدارية فحسب، بل عن اعتداء أخلاقي على قيمة العلم، وظلم لكل باحث أفنى عمره في سبيل الحقيقة.

إن حماية هيبة الشهادات العلمية مسؤولية جماعية. فهي تبدأ من الجهات الرسمية بتطبيق الأنظمة على من ينتحل الصفة العلمية أو يروج لشهادات غير معترف بها، وتمر بالمؤسسات الأكاديمية والثقافية والإعلامية التي يقع على عاتقها التحقق من الألقاب قبل استخدامها، وتنتهي عند وعي المجتمع نفسه، الذي ينبغي أن يميز بين الإنجاز الحقيقي والادعاء، وبين العالم الذي صنعته المعرفة، ومن صنعه الإعلان.

إن احترام اللقب العلمي ليس تقديسًا للأشخاص، بل احترامٌ لقيمة العلم، وإنصافٌ لسنوات التعب التي بذلها الباحثون الحقيقيون. فالمجتمعات لا تنهض بالألقاب، وإنما تنهض بالمعرفة، ولا تبني مستقبلها بالشهادات المزيفة، بل بالعقول التي صنعت تلك الشهادات عن جدارة.

ولعلنا اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار للعلم بوصفه رسالة، لا وسيلة للوجاهة وإلى أن يبقى لقب "دكتور" عنوانًا للاستحقاق، لا سلعة في سوق الشهرة. فالعلم لا يُشترى، والهيبة لا تُمنح بقرار، والاحترام لا تصنعه ورقة مزخرفة، وإنما تصنعه رحلة طويلة من الصدق والاجتهاد والإخلاص.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: من يُحرّك السُّكَّر ويُذيب المِلح؟ ومن يعيد إلى الألقاب العلمية هيبتها، قبل أن يصبح الوهم أكثر حضورًا من الحقيقة.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0