ظلال الكفاءات

حين وصل إلى مكان عمله، كان أول مااستوقفه ذلك البستان الممتد أمام المبنى.
أشجار باسقة... وأخرى يابسة.
لكن الغريب أن الأشجار اليابسة كانت تتوسط الحديقة، بينما الأشجار المثمرة وُضعت عند السور الخلفي، حتى كادت تختفي عن الأنظار.
ابتسم في نفسه وقال:
"ربما هي صدفة."
لم يكن يعلم أنها لم تكن صدفة أبدًا.
كان دكتور "إدريس" يحمل حقيبة صغيرة، وفيها سنوات طويلة من الدراسة، وأبحاثًا لم ينم ليالي كثيرة حتى أنجزها.
فهو يؤمن أن العمل الصادق لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الإنجاز الحقيقي يتحدث عن نفسه.
في أيامه الأولى، أحدث فرقًا واضحًا.
اختصر الإجراءات.
طوّر نظام العمل.
أنجز ما كان الآخرون يؤجلونه أشهرًا.
لكنه لاحظ أن شيئًا آخر بدأ يكبر في الممرات...
الهمسات.
كلما ارتفع اسمه، انخفضت وجوه أخرى.
لم ينافسوه في العمل...
بل تجمعوا على أن ينافسوه في تشويه صورته.
وبدأت الهمهمة:
أحدهم يتمتم:
"إنه يبحث عن الشهرة."
فى حين الآخر يقول:
"يريد أن يقفز فوق الجميع."
أما ثالثهم فاكتفى بابتسامة خبيثة وهو يهمس:
"سنعلّمه كيف تسير الأمور هنا."
ومنذ ذلك اليوم، بدأت رحلة البحث عن المشاكل.
اختفت الملفات.
تأخرت الموافقات.
وتحوّلت الاجتماعات إلى محاكمات صامتة.
كل إنجاز يقدمه، يجدون له عيبًا.
وكل خطأ صغير، يكبر حتى يصبح جريمة.
كانوا يخافون منه...
ليس لأنه قوي...
بل لأنه كان يفضح ضعفهم بمجرد نجاحه.
وذات مساء، بينما كان يغادر المبنى، لمح رجلًا مسنًا يغرس شجرة زيتون في زاوية مهملة.
اقترب منه وسأله:
"لماذا تزرعها هنا؟ لن يراها أحد."
ابتسم الشيخ وقال:
"أنا لا أزرعها لهم... أزرعها للزمن."
ثم سأله:
"أتعرف لماذا تموت الأشجار المثمرة هنا؟"
أجاب دكتور إدريس:
"لأن أحدًا لا يسقيها؟"
هز الشيخ رأسه.
وقال بهدوء:
"بل لأن الأشجار اليابسة تخاف ظلها."
ساد صمت ثقيل.
وأردف الشيخ:
"هناك بشر يشبهون الأشجار اليابسة... لا يستطيعون أن يثمروا، فيحاولون إقناع الجميع أن الإثمار خطأ."
تغلغلت الكلمات في قلب إدريس.
وفي تلك الليلة، اتخذ قراره.
لم يدخل معارك.
لم يرد على الإشاعات.
ولم يضيع عمره في إثبات براءته.
بدأ يوثق إنجازاته، ويتركها تتحدث بالأرقام، ثم فتح لنفسه نافذة جديدة خارج تلك الجدران.
مرت الأعوام.
كبر اسمه.
وصارت خبرته مطلوبة في أماكن كانت تبحث عن العقول لا عن المصفقين.
أما الشركة...
فبدأت تفقد أبناءها المخلصين واحدًا تلو الآخر.
وغابت عنها المهارات.
وتراجعت إنجازاتها.
ولم يبق فيها إلا الذين كانوا يتقنون التصفيق.
وفي صباح شتوي، عاد دكتور إدريس إلى المكان الذي غادره منذ سنوات.
وجد البستان كما هو.
الأشجار اليابسة ما زالت في الواجهة.
لكن الأشجار المثمرة اختفت تمامًا.
أما شجرة الزيتون الصغيرة التي غرسها الشيخ...
فقد كسرت سور المؤسسة، وامتدت أغصانها إلى الطريق العام، يستظل بها المارة.
سأل عن الشيخ.
فقيل له:
"رحل منذ سنوات."
وقبل أن يغادر، لمح لوحة حجرية صغيرة لم تكن موجودة من قبل، كُتب عليها:
"هنا لا تُدفن الكفاءات... بل تُدفن الأعمال التي لا تعرف قيمة الكفاءات."
ابتسم إدريس.
وأدرك أخيرًا أن الكفاءة لا تحتاج إلى من يمنحها الحياة، لكنها تحتاج إلى بيئة لا تحاول قتلها.
فالموهبة مثل الضوء...
قد يحجبه جدار، لكنه لا ينطفئ.
أما الجدار...
فمصيره أن يتصدع، مهما طال الزمن.

