google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

على صهوة الذاكرة التعامرة يروون سيرة المجد والشعر من قبّة راحيل إلى زعترة بقلم الباحثة والأديبة

صورة توضيحية
أميرة عبد العظيم -

في أمسية توثيقية استثنائية حملت عبق التاريخ ونبض الذاكرة الشعبية، نظم مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي، بإشراف الباحث في التراث الشعبي الدكتور إدريس جرادات، لقاءً توثيقياً موسعاً في بلدة زعترة شرقي بيت لحم، جمع نخبة من وجهاء وشعراء عرب بيت تعمر (التعامرة)، بهدف حفظ الموروث الشفوي وتوثيق التاريخ الاجتماعي والثقافي لهذه القبيلة العربية العريقة التي شكّلت على مدار قرون جزءاً أصيلاً من هوية برية بيت لحم وامتدادها العربي.

وشارك في اللقاء الشاعر النبطي والمؤرخ طالب محسن المساعدة التعمري، مؤلف كتاب "قبيلة التعامرة"، إلى جانب المختار محمود المساعدة (أبو المنذر)، والوجيه والشاعر الشعبي علي رشيد المساعدة، والوجيه طالب عبد الرزاق المساعدة، حيث استعرضوا صفحات مضيئة من تاريخ القبيلة، وسجلوا شهادات حيّة تمثل كنزاً من كنوز الذاكرة الفلسطينية.

وانطلق الحوار من جذور قبيلة التعامرة وأصولها العربية الممتدة في الجزيرة العربية وبادية الشام والأردن، متناولاً دلالات التسمية وعلاقة القبيلة التاريخية بمنطقة دير ابن عبيد (مار سابا)، وبرية بيت لحم التي كانت مسرحاً لحياة البداوة والترحال قبل أن تتحول إلى بلدات عامرة حافظت على أصالتها وقيمها العشائرية.

وفي محور التاريخ الشفوي، تدفقت الحكايات من أفواه الرواة والوجهاء، لتعيد إلى الأذهان صوراً من القضاء العشائري وإصلاح ذات البين، حيث كانت كلمة الوجهاء سبيلاً لحقن الدماء وحفظ السلم الأهلي. كما استحضرت الروايات تفاصيل الحياة في البرية، وقصص الفروسية والكرم والصبر، والعلاقة الوثيقة التي جمعت الإنسان بأرضه وماشيته، إضافة إلى مواقف وطنية مشرّفة جسدت دور التعامرة في حماية تخوم بيت لحم والقدس ومواجهة قوى الاحتلال والانتداب عبر مراحل التاريخ.

ولم تخلُ الجلسة من الطرائف والنوادر التي اشتهر بها أبناء التعامرة، فتعالت الضحكات مع استعادة المواقف الفكاهية والمساجلات الذكية التي كانت تدور في الدواوين ومجالس السمر، لتؤكد أن الفكاهة الشعبية كانت جزءاً أصيلاً من ثقافة المجتمع البدوي، تحمل الحكمة بقدر ما تبعث البهجة.

أما ذروة اللقاء فكانت في إشراقة"المضافة الشعرية"، حيث تعانقت القصيدة النبطية مع الزجل والشعر الشعبي في مشهد أعاد للعقول مجالس الشعر القديمة. حيث تناوب الشاعران النبطي وعلي رشيد السجال على إلقاء القصائد التي وثّقت تاريخ القبيلة ومآثرها وقيمها الأصيلة، فيما عمل الباحثون على رصد المصطلحات البدوية التراثية الواردة في النصوص الشعرية حفاظاً عليها من الاندثار.

ومن أبرز ما تم توثيقه خلال اللقاء قصيدة الشاعر طالب عودة محسن المساعدة التعامرة التي تؤرخ لمعركة قبّة راحيل عام 1858م، وهي من القصائد النبطية التي تمثل وثيقة تاريخية وشعرية مهمة، إذ تسجل أحداث المواجهة التي خاضها أبناء التعامرة ضد القوات العثمانية، وتبرز قيم الشجاعة والفروسية والتكاتف القبلي.

وتنطق أبيات القصيدة بروح الفخر والاعتزاز، مستحضرة مشاهد القتال وصهيل الخيل ولمعان السيوف والرماح، ومؤكدة أن الكرم والشجاعة وحماية المستجير ليست مجرد صفات عابرة، بل قيم متجذرة في وجدان القبيلة. كما تعكس القصيدة قدرة الشعر الشعبي على حفظ الوقائع التاريخية ونقلها عبر الأجيال، ليصبح الشعر سجلاً موازياً للتاريخ المكتوب.

ويأتي هذا اللقاء ضمن مشروع توثيقي أوسع ينفذه مركز السنابل لجمع قصائد شعراء التعامرة النبطية والشعبية في ملف خاص، حفاظاً على هذا الإرث الثقافي الثمين، وإتاحته للأجيال القادمة باعتباره جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية الفلسطينية.

وقد خلص اللقاء إلى أن القبائل العربية الفلسطينية لم تكن مجرد تجمعات اجتماعية، بل كانت مدارس للقيم والبطولة والشعر والحكمة، وأن التعامرة ما زالوا يحملون في ذاكرتهم كنوزاً من التاريخ تستحق أن تُروى، وأن تُكتب، وأن تبقى حيّة في وجدان الوطن.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0