google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

أبو الغيط يلقي كلمة في الجلسة الافتتاحية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري الدورة العادية المستأنفة (165)

نجلاء فاروق -

القى السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية

في الجلسة الافتتاحية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري الدورة العادية المستأنفة (165) في المملكة الأردنية الهاشمية (عمّان) قائلا:

معالي الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني وزير خارجية مملكة البحرين رئيس الدورة ١٦٥ لمجلس الجامعة على المستوي الوزاري

أصحاب السمو والمعالي،

السيدات والسادة،

أحضر اليوم مجلسكم الموقر للمرة الأخيرة، بعد أن تشرفت لعشر سنوات بحمل المسئولية التي شرفني القادة العرب بوضعها على كاهلي .. شرفٌ لا يضاهيه شرف... خدمة أمتنا العربية في هذا الموقع الذي يرمز إلى وحدتها... ويُجسد مصيرها المشترك.. ويعكس التزام دولها بالعمل معاً... يداً بيد وكتفاً بكتف.

وكعهدكم بي .. فقد آليتُ على نفسي ألا أتورط في مبالغة أو أنحو الي مزايدة.. وأن أعتمد على الدوام نهجاً يقوم على المصارحة ووضع الأمور في نصابها.

وكما تعلمون فإن المشهد العربي الراهن ليس في أفضل حالاته... وبه من مواطن الضعف ومكامن الخطر ما يجب أن يحمل الجميع على اليقظة والانتباه.. بل والتخوف الشديد على مستقبل هذه المنطقة العامرة بطاقات الشباب وإمكانيات التفوق والسبق.. والتي لا زالت، للأسف، محاطة بحزامٍ من النار ... مهددةً في استقرارها... مستهدفةً في مقدراتها... محرومةً من تحقيق المكانة التي تستحقها ... وهي مكانة نعلم جميعاً أنها أكبر من وضعها الحاضر...وأعظم شأناً من حالتها الراهنة.

لقد توليتُ الأمانة العامة للجامعة في منتصف عام 2016...بعد سنواتٍ قليلة من أحداث جِسام عصفت باستقرار عدد من الدول العربية في 2011... وعشنا وعايشنا جميعاً التبِعات المُرّة لهذه الأحداث، ولا نزال... عايشنا الحروب الدامية التي يخرج المنتصرُ فيها مهزوماً بعد أن تتفكك البُلدان وتتفسخ المجتمعات...عشنا انقسام الوطن الواحد... وقد صوب أبناؤه بنادقهم إلى بعضهم البعض...فصار الباب مفتوحاً على مصراعيه للتدخلات والمؤامرات... ورأينا بقلوبٍ دامية تشرُد الملايين من أبناء هذه الأمة ونزوحهم في الداخل ولجوئهم في الخارج، بعد إخراجهم من بيوتهم... حتى صار اللجوء العربي ظاهرة عالمية تبعث على الأسى والحزن... وحتى صرنا نرى أطفالاً يقضون سنوات طفولتهم الباكرة بلا دراسة أو تغذية سليمة أو حياة طبيعية.... وليس هناك ما يبعث على القلق والخوف أكثر من جيل ينشأ تحت أصوات البنادق وأزيز المُسيرات، أو في مواطن اللجوء والنزوح.

عشنا أيضاً، ولا زلنا، تغول بعض الجيران في الإقليم... وسعيهم إلى بسط النفود وفرض الهيمنة ... ولعبت الجامعةُ العربية دوراً مشهوداً في صياغة وحشد موقف عربي موحد تجاه تدخلات إقليمية مرفوضة ومُدانة في شئون دولها.. حتى وصلنا إلى المحطة الأخيرة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.. ووجدنا هذه الأخيرة تصوب نيرانها على عدد من دولنا العربية التي كانت -ولا زالت- تنشد حسن الجوار على أساس احترام السيادة وعدم التدخل في الشئون الداخلية.

ومن أسفٍ أن هذه الزلازل السياسية جعلت قضية فلسطين تتراجع... ليس في الحس والوجدان العربي، الذي ما زالت تحتل فيه مكانة لا تنازعها فيها قضية أخرى.. وإنما على أجندة العالم ووسط أعاصير سياسية تجتاح المنطقة العربية... ولم نشهد خلال هذه السنوات العشر عملية جادة لتحقيق السلام ينخرط فيها الطرف القائم بالاحتلال... وإنما تابعنا ترسيخاً للاحتلال الإسرائيلي وإرهاباً للشعب الفلسطيني من قِبل دولة الاحتلال والمستوطنين الموتورين المحتمين بقوتهم المسلحة... وتغولاً على الأرض الفلسطينية وأهلها بتوسيع الاستيطان الذي يهدف لتحقيق الضم فعلياً وجعل الدولة الفلسطينية مستحيلةً عملياً... ورأينا قتلاً لعشرات الآلاف في غزة بلا وازع من ضمير.. إبادة حقيقية تستهدف المدنيين والمجتمع نفسه وبقاء الناس على أرضهم، في مخططات مكشوفة لتهجيرهم وطردهم... تطهير عرقي كامل الاركان.

وقد يتصور البعض أن إسرائيل صارت بهذه الأفعال الاجرامية وغيرها دولةً مهيمنة إقليمياً ويتحدثون عنها أحياناً بوصفها "إسرائيل الكبرى"... بينما هي في الواقع دولة معزولة في العالم... موصومة في سمعتها وأساسها الأخلاقي.. مرفوضة من كل أصحاب الضمائر الحية... لقد خسرت الكثير وستخسر أكثر إن هي اختارت التعامل مع محيطها بمنطق الحرب الدائمة وإشعال الحرائق... الحرب لن تجلب أمناً أو سلاماً.. بل تزرع كل مواجهة بذور المواجهة التالية كما رأينا في السنوات الماضية... لا بديل عن حل الدولتين كصيغةٍ لإنهاء الاحتلال وإحلال السلام... هذا هو موقفنا ومبدؤنا وسعينا واختيارنا الذي دافعنا ونُدافع عنه إلى أن ترى الدولة الفلسطينية النور، ويعود للشعب الصامد البطل حقه المهدور.

السيد الرئيس

الأمن القومي العربي صيانته وتعزيزه، هو التحدي الأكبر أمامنا.. ولا يتحقق هذا الأمن، ويصير عربياً حقاً وقومياً فعلاً إلا إذ شعرت كل دولة بأنه يعبر عن مفاهيمها ويستجيب لشواغلها.. وبحيث يكون جامعاً لأولويات الدول –كافة الدول- الأمنية وحاجاتها الاستراتيجية، وهي أولويات ليست متطابقة في كل الأحيان وإن كانت متقاربة في أغلب الأوقات.

الجامعة العربية وبعد أن قضيتُ عقداً كاملاً أقود أمانتها، هي الأداة والمنصة المُثلى لإجراء حوار حقيقي وشفاف حول أولويات الأمن القومي العربي... وأمانتها العامة لديها من الإمكانيات وتراكم الخبرات التي تؤهلها لتنسيق هذا الجهد، الضروري والحيوي والمُلح... الجامعة العربية، جامعتكم، هي أداةٌ فعّالة لتحقيق الأهداف... إن اجتمعت الإرادة، وصدق العزم.

والجامعة العربية لا بديل لها... كعنوان جامع.. ورمز ومعنى ومؤسسة لها اسهامها في تاريخنا الحديث، وحاضرة في واقعنا المعاصر، ومستمرة في المستقبل بإذن الله...لا بديل لها إن أردنا لمنطقتنا أن تبقى عربية، تعتز بعروبتها وتفخر بها... أقولها ثانيةً: لا بديل لها.. ولا كيان أو مؤسسة يُمكن أن يعوض مكانتها أو يملأ مكانها.

إن الجامعة العربية ليست مجرد منتدى جامع للحوار والتنسيق السياسي، وإن كان هذا في ذاته مهمٌ وحيوي... ولكنها أيضاً شبكة من المؤسسات والمجالس الوزارية والوكالات المتخصصة في شتى مناحي النشاط الإنساني.. وأقول بثقةٍ إنها أكبر وأشمل شبكة للتعاون والتنسيق العربي في مجالات متنوعة ... من توحيد التشريعات، والربط الكهربائي والمواصلات، واتفاقيات التعاون الاقتصادي إلى المناهج التعليمية وتبادل الخبرات العربية في مجالات علمية واقتصادية وتعليمية واجتماعية وغيرها.... كما أنها قبل ذلك وبعده- الصوت العربي الموحد في المحافل السياسية الدولية، والممثل المناظر لتكتلات دولية تعرفها مختلف الأقاليم والمناطق.. كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وغيرهما... وهي جهة تنسيق بين القائمين على العمل العربي الدبلوماسي في الخارج، ويرتفع علمها في نحو خمسة وعشرين دولة ومنظمة دولية، مُعلناً عن وجود عربي جماعي وصوت عربي واحد.

جامعتنا طاقة هائلة إن أحسنا استغلالها... ومحرك لا مثيل له لنظام إقليمي فعّال... وهي كيان مرن... أعرف أنه قابل للتطور ومجاراة العصر... يحتاج إصلاحه وتطويره –ودائماً هناك مجال للإصلاح والتطوير- إلى من يؤمن به، وبرسالته، وبضرورة وجوده.

السيد الرئيس.. أصحاب السمو والمعالي

الشكرُ الجزيل لكم لأنكم ومن سبقكم في مواقعكم- كنتم رفاق الرحلة ... عملنا معاً لسنواتٍ وفي نفسي ذكرى طيبة مع كل منكم... وبكم وبحماسكم الصادق، تستمر هذه المنظمة وتخطو للأمام.

الشكر أيضاً.. للاخوة والاخوات من جهاز أمانة الجامعة... فقد كانت فيهم نماذج ملهمة في الإخلاص والكفاءة والتجرد للمهمة .. وفيهم أفضل ما في هذه الأمة من حماس للعمل وإيمان بالهدف... وهم ركيزة مهمة للعمل العربي ...أمناء عليه، ومخلصون له... وأدعو الله تعالى أن يوفق الأمين العام الجديد في الوفاء بالمهمة وقيادة الدفة في سنواتٍ أعلم مسبقاً انها ستكون صعبة..

وأخيراً .. فإن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم.. "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى". صدق الله العظيم.

أرجو مُخلصاً أن أكون قد أديتُ مهمتي بقدر ما استطعت.. فإن أصبتُ فبتوفيقٍ من الله، وإن أخطأتُ فلي أجرُ الاجتهاد..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0