google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

”أصل الأنواع”..قراءة نقدية

-

بقلم الكاتبة والأديبة - أميرة عبد العظيم

حين يختار الروائي المصري أحمد عبد اللطيف عنوانًا مثل «أصل الأنواع»، فإنه لا يستدعي كتاب "تشارلز داروين" الشهير بوصفه مرجعًا علميًا فحسب، بل يفتح باب التأويل على مصراعيه، ليضع القارئ أمام سؤال وجودي كبير:

أيُّ نوع من البشر أنتجته التحولات القاسية التي عاشها الإنسان العربي المعاصر؟

هذه الرواية الصادرة عام 2025، والتي بلغت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، تقدم عالماً ديستوبيًا مشبعًا بالفانتازيا والسريالية، تتجاور فيه ظلال "أورويل" مع عبث "كافكا" ، وتتداخل فيه الحياة بالموت، والواقع بالكابوس، في صورة رمزية عميقة تعكس مأزق الإنسان العربي في مواجهة الاستبداد والتهميش وانكسار الأحلام.

تتشكل البنية السردية للرواية من سبعة أقسام، يسردها راوٍ عليم بلغة متدفقة تكاد تخلو من الوقفات التقليدية، في محاولة لخلق حالة من التوتر المتواصل، بينما تتحرك الشخصيات داخل حي المنيل القاهري، الذي يتحول تدريجياً إلى مسرح لعنة جماعية تبدأ بقرار حكومي يقضي بهدم المقبرة المجاورة للحي.

من هذه اللحظة تنفجر الكارثة يفقد السكان أجزاء من أجسادهم بصورة غامضة، وتنهض أرواح الموتى من قبورها، لتصبح الأشباح جزءاً من الحياة اليومية.

لكن مالوحظ في الرواية ذلك التشوه الجسدي الذي لا يبدو سوى انعكاس لتشوه نفسي أعمق، أصاب الإنسان العربي بفعل القمع المتراكم وفقدان المعنى.

يفتتح الكاتب عالمه بشخصية «رام»، المهندس المدني المكلف بتنفيذ مشروع هدم المقابر، والذي يكتشف أثناء استحمامه تساقط شعره. غير أن فقدان الشعر هنا يتجاوز الجانب الفيزيولوجي، ليصبح رمزًا لفقدان الأمان والطمأنينة والقدرة على التماسك أمام صدمات الحياة، خاصة وأن المقبرة التي أُمر بهدمها تضم رفات زوجته الراحلة «نيفين»، التي لا يغيب طيفها عنه.

وفي موازاة رام، يرسم الكاتب شخصية "سيد باتشان" الذي فقد أصابع يديه، وهو السارق السابق الذي حاول التوبة وبناء حياة جديدة، لكن السلطة أعادت استثماره مخبراً يخدمها.

تبدو الأصابع المفقودة هنا استعارة عن الحرية المسلوبة والقدرة المعطلة على صناعة مصير مختلف.

أما "يحيى الحافي" ، نجم كرة القدم الذي كان يحلم بارتداء قميص المنتخب الوطني، فقد خسر أصابع قدميه، وخسر معها حلمه كله.

ومن لاعب يركض خلف المجد، تحول إلى تاجر للأطراف الصناعية، في صورة مأساوية تختزل انتقال الإنسان العربي من الحلم إلى مجرد التكيف مع الخراب.

المفارقة اللافتة التي يبرزها النص أن الكارثة لم تمس رجال السلطة فقد ظلوا بكامل هيئتهم، يمارسون نفوذهم ويزينون الحي احتفالاً بمولد الرئيس القادم، بينما كان السكان يعتادون تدريجياً على واقعهم المشوه. وهنا تبلغ الرواية ذروة سخريتها السوداء، حين يصبح الاعتياد على المأساة شكلاً من أشكال النجاة.

وتصل الأحداث إلى ذروتها عندما يتمرد "رام" على قرار هدم المقابر، فيتحول من منفذ للأوامر إلى ضحية لها. يُفصل من عمله، ويُحاكم، ثم يُصلب يوم الخميس في استدعاء رمزي واضح لقصة المسيح، قبل أن يبعث في اليوم الثالث، في خاتمة تحمل أبعادًا دينية وإنسانية تؤكد أن الخلاص لا يولد إلا من رحم المعاناة، وأن التمرد على القهر يظل فعلًا وجوديًا يمنح الإنسان معناه.

خلاصة القول فإن

أصل الأنواع حكاية لا تبحث عن وباء يصيب الأجساد، بل تكتب سيرة الخراب الذي أصاب الروح العربية، وتصور الإنسان المعاصر بوصفه كائناً معطوباً يحمل ندوب الهزائم والانكسارات.

ومن خلال بنية سريالية جريئة، ينجح "أحمد عبد اللطيف" في تحويل التشوه الجسدي إلى استعارة كبرى عن فقدان الهوية وضياع الأحلام وانكسار الذات.

وتتقاطع الرواية، في بعض مستوياتها الرمزية، مع رواية "صلاة القلق" لمحمد سمير ندا، الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها السابقة، من حيث الاشتغال على الجسد بوصفه مرآة للألم الوجودي. غير أن "أصل الأنواع" تمتلك خصوصيتها الفنية، وتراهن على عالم غرائبي شديد الكثافة، يجعلها واحدة من أبرز الروايات العربية التي قاربت سؤال الإنسان العربي المأزوم بلغة رمزية مدهشة.

إنها رواية لا تتحدث عن فقدان الأطراف بقدر ما تتحدث عن فقدان المعنى، ولا عن الأشباح التي خرجت من القبور، بل عن أشباح الخوف والقمع واليأس التي استوطنت أرواح الأحياء، حتى صار الخراب جزءًا من طبيعة الأشياء.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0