الورد والفل.. وعودة الرومانسية المفقودة


بقلم - راندا عطوان
حقق مسلسل "ورد وفل" نجاحًا كبيرًا، وذاع صيته، وأصبح حديث المشاهدين.
في البداية، وضع المسلسل يده على نقطة قوية جدًا، هي الجفاف العاطفي والرومانسي في ظل الحياة الطاحنة التي جردت الجميع من المشاعر والأحاسيس الرقيقة، بعدما أصبحت القلوب جافة ومنهكة بأعباء الحياة وضرورياتها المادية، "وأصبحت أحاديثنا اليومية تدور حول الأسعار ومتطلبات المعيشة قبل أي حديث عن المشاعر والأحلام."
نجح المسلسل في إحياء المشاعر لدى الناس، وذكرهم بأن لديهم قلوبًا تنبض. حتى كبار السن أعاد لهم فترة الصبا والشباب، فتذكروا الرومانسية في أيام أفلام عبد الحليم وشادية، والأغاني القديمة.
وبرغم ذلك، فأنا ألوم على المؤلف في القصة منذ البداية؛ فقد نسي المؤلف أنه يشارك في تشكيل وجدان الشباب وبناء ثقافة وفكر المجتمع، فجمع بين طارق وإلهام بدون أي تكافؤ، وكان الأولى أن تكون هناك مساحة من التفاهم المشترك بينهما والمنطقية.
ومع ذلك استطاع المؤلف والمخرج والممثلون، وخاصة الطبيب الشاب، ببراعة أن يقنعونا بتلك العلاقة، حتى أصبح الجميع مباركًا لها ومؤيدًا.
مع أنها، في رأيي، زيجة محكومة بالفشل، فكيف يجتمع طبيب شاب ذو تعليم متميز وبيئة اجتماعية معينة مع امرأة أكبر منه تفصله عنها فروق كبيرة في البيئة الاجتماعية والثقافية والتعليمية؟
تخيلوا لو أن طارق تزوج إلهام فعلًا - بغض النظر عن المرض - كيف ستكون حياتهما؟ أي لغة مشتركة ستكون بينهما؟ كيف ستكون العلاقة بين مجتمعهما؟ وكيف سيتربى أولادهما؟ وماذا ستعلمهم؟ وكيف سيكون تأثير البيئة المحيطة عليهم؟ كان من الأفضل أن العلاقة الناجحة تعتمد على الحب وأشياء أخرى.
وربما كان الطبيب يشعر تجاهها بالتعاطف دون أن يدرك هو ذلك.
ورغم ذلك، فقد استطاع المؤلف والمخرج والفنانون أن يقنعونا أشد الاقتناع بتلك الزيجة، وأن يجعلونا نباركها ونتمنى حدوثها.
وفي قمة الإقناع صدمنا المؤلف وسحب بساط هذا الإقناع فجأة ودون مقدمات ليضعنا أمام الواقعية المفرطة، ضاربًا بعرض الحائط كل ما عاشه الجمهور طوال الحلقات السابقة من مشاعر، فتموت إلهام، وتكون الصدمة، ويتزوج طارق. ويأتي طارق وقد تزوج ممن تناسبه وتشبهه وتتوافق مع حياته، ويظهر معه طفل، وإذا حسبنا عمره نجد أنه ربما تزوج بعد مرور وقت قليل على وفاة إلهام، وكأنه كان يحتفظ بخيار بديل وهي ما زالت على قيد الحياة.
كان يمكن للمؤلف أن يفعل ذلك، ولكن بطريقة أفضل. كان يمكن أن ينتهي المسلسل على صراخ طارق وذهوله في المستشفى، ويُترك لكل مشاهد أن يختار النهاية التي يريدها عقله: هل ماتت إلهام أم شُفيت؟ وكان يمكن أن يسافر طارق بالطائرة لاستكمال دراسته، مودعًا ابنها والعائلة بالمطار في إشارة منه إلى أنه لن ينساه. أو كان يمكن أن يعود بعد سنوات وقد تقدم به العمر، وتصبح ابنته طبيبة في مستشفى يحمل اسمه لعلاج هذا المرض، مع لحظة فلاش باك تجمعه بها.
لقد كانت هناك اختيارات كثيرة تحقق الواقعية، ولكن بصورة أكثر انسجامًا مع مسار القصة طوال الأحداث.
في النهاية أود أن أقول إن هذا المسلسل والدراما قد أحيا قلوب الناس، وأكد أن القلوب تحتاج إلى الطبطبة والاحتواء، وأن الناس ما زالت تحتفظ بقدر من الورد والفل في داخلها، وما زالت تحتاج إلى تنسم عبير الياسمين رغم صعوبات الحياة. كما أكد أن المشاعر الإنسانية الصادقة ما زالت حية في النفوس، وأنها، مهما أثقلتها الأعباء، تظل خالدة لا تموت

