google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

حين تصبح اللغة هوية دلالات التهديد ومخاطر سيادة الإنجليزية على العربية

-

بقلم الباحثة والأديبة -أميره عبدالعظيم

في هذا المقال وددت أن أصحبك معي عزيزي القارئ لإلقاء نظرة هامة جدا على مشكله مجتمعية تهدد مجتماعتنا العربية.

دعونا نسلط الضوء على دلالات التهديد ومخاطر الانصهار الثقافي في سيادة اللغة الإنجليزية والخطر على اللغة العربية.

ففي ظل التسارع الرقمي والعولمة المتنامية، لم تعد اللغة مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت وعاءً للهوية الثقافية والذاكرة الحضارية. ومن هذا المنطلق تأتي الدراسة الميدانية التي أعدها الدكتور إدريس محمد صقر جرادات لصالح مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي.

والسؤال الذي يحضرني ماهو تأثير الهيمنة المتزايدة للغة الإنجليزية على اللغة العربية وما يرتبط بذلك من تحولات ثقافية واجتماعية؟

تؤكد الدراسة أن اللغة ليست مجرد ألفاظ وقواعد، بل هي مستودع القيم والعادات والتاريخ، وأن أي تراجع للغة الأم ينعكس بصورة مباشرة على الهوية الوطنية والثقافية. فاللغة العربية، التي ارتبطت بالقرآن الكريم وبإرث حضاري امتد لقرون طويلة، تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة بسبب النفوذ العالمي المتزايد للغة الإنجليزية في مجالات التعليم والتكنولوجيا والإعلام والاقتصاد.

وهنا نتساءل عن مظاهر الهيمنة اللغوية؟

تشير الدراسة إلى عدة مظاهر تعكس هذا التغلغل، منها:

-انتشار المصطلحات الإنجليزية في الحياة اليومية.

-الاعتماد المتزايد على التعليم الأجنبي والبرامج التعليمية الناطقة بالإنجليزية.

-هيمنة المحتوى الرقمي الأجنبي على منصات التواصل والإعلام.

-شيوع ظاهرة المزج بين العربية والإنجليزية في الحديث والكتابة.

-تنامي الاعتقاد بأن الإنجليزية تمثل لغة النجاح والتقدم الاجتماعي.

وقد أظهرت دراسات لغوية أن التأثير المتبادل بين اللغتين أدى إلى انتشار ظواهر الاقتراض اللغوي والترجمة الحرفية والمزج اللغوي، بما ينعكس على سلامة العربية الفصحى.

هل الانصهار الثقافي يشكل خطر وتهديد بفقدان الخصوصية؟

لا ترى الدراسة أن تعلم الإنجليزية يمثل خطرًا في حد ذاته، وإنما يكمن الخطر في تحولها إلى بديل ثقافي وهيمنة رمزية تؤدي إلى تهميش اللغة الأم. فاللغة تحمل أنماط التفكير والتصورات والقيم، ومن ثم فإن سيادة لغة أجنبية قد تفضي تدريجيًا إلى حالة من الانصهار الثقافي وفقدان الخصوصية الحضارية. وقد تناولت أبحاث عديدة مفهوم "الإمبريالية اللغوية" باعتباره أحد أشكال الهيمنة الثقافية في ظل العولمة.

إلى أي مدى كان للدراسة من نتائج توجيهية؟

تكشف الدراسة عن وجود مؤشرات تدعو إلى الانتباه، من أبرزها:

تزايد استخدام المفردات الأجنبية بين فئة الشباب.

ضعف الإقبال على القراءة باللغة العربية مقارنة بالمحتوى الأجنبي.

تراجع الاعتزاز باللغة العربية لدى بعض الفئات نتيجة ربط التقدم والتفوق باللغة الإنجليزية.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في تعزيز هذا التحول.

الحاجة إلى تطوير المحتوى العربي ليواكب العصر الرقمي.

وتتفق هذه النتائج مع العديد من الدراسات التي تناولت ظاهرة الانتقال اللغوي في المجتمعات العربية.

بين الانفتاح والذوبان

تؤكد الدراسة أن الانفتاح على اللغات الأجنبية ضرورة حضارية وعلمية، إلا أن الانفتاح يختلف عن الذوبان. فالتعدد اللغوي يمثل مصدر قوة، شريطة ألا يكون على حساب اللغة الأم، إذ نجحت أمم كثيرة في الجمع بين الحفاظ على لغاتها الوطنية وإتقان الإنجليزية كلغة عالمية.

في هذا الإطار ومماسبق خلصت الدراسة إلى تقديم

مجموعة من التوصيات الهامة، والتي كان منها:

-تعزيز مكانة اللغة العربية في التعليم والبحث العلمي.

-دعم حركة التعريب والترجمة وإنتاج المصطلحات الحديثة.

-تشجيع صناعة المحتوى الرقمي العربي.

-ترسيخ الاعتزاز باللغة العربية في المناهج والبرامج الإعلامية.

-توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لخدمة العربية.

-دعم المبادرات الثقافية التي تعزز الهوية والانتماء.

-تشجيع القراءة والكتابة الإبداعية باللغة العربية لدى الأجيال الجديدة.

ـالحفاظ على الإرث الثقافي العربي واتباع المنهج التاريخي اللغوي للعرب

خلاصة القول:

الدراسة التي أعدها الدكتور إدريس محمد صقر جرادات تُبرز أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في وجود اللغة الإنجليزية، بل في غياب مشروع ثقافي عربي قادر على تحويل اللغة العربية إلى لغة معرفة وإبداع وإنتاج. فاللغات لا تموت بسبب قوة اللغات الأخرى، وإنما بسبب ضعف أهلها وانصرافهم عنها.

إن العربية، التي حملت رسالة الحضارة قرونًا طويلة، لا تحتاج إلى الحنين بقدر ما تحتاج إلى إرادة واعية تجعلها شريكًا فاعلًا في صناعة المستقبل، حتى يبقى التنوع اللغوي مصدر إثراء، لا مقدمة لانصهار ثقافي يذيب الخصوصية ويبدد الذاكرة الجماعية للأمة.

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0