مذكرات حاج

بقلم الباحثة والأديبة - أميره عبدالعظيم
هل يُغيّرني الحج؟
الرحلة الإدريسية إلى الديار المباركة
لم يكن الحج بالنسبة للدكتور "إدريس" رحلةً تُحجز بتذكرة سفر، ولا موعدًا يُسجَّل في دفتر الأيام ثم ينتهي. كان حلمًا يرافقه منذ سنوات طويلة، يطرق حجرات قلبه كلما سمع تلبية الحجيج أو شاهد صورةً للكعبة ، كان بنتابه شعور قوي بأن بينه وبين البيت العتيق موعدًا مؤجلًا، وأن الله يدّخر لي هذه اللحظة حتى يحين أوانها.
ثمانية أعوامٍ كاملة مرّت وهو يسجّل اسمه كل عام، يدفع الرسوم المطلوبة، وينتظر. وفي كل مرة كانت القوائم تُعلن،يبحث عن اسمه فلا يجده. كان يعود بصمت وهدوء تظهر على وجهه علامات الحسره والألم ، لكن الأمل لم يكن يغادره. كان عنده يقين بأن الحج دعوة، وأن الضيف لا يختار موعد زيارته، بل ينتظر أن يأذن له صاحب البيت.
في عام 2024 اشتدّ الشوق أكثر. كانت زوجته، أم محمد، تتحدث عن الحج كما لو كانت عطشانه تبحث عن الماء. قالت له يومًا: "لنذهب بأي وسيلة، المهم أن نصل." لكنه كان يرى أن رحلة الطاعة لا تكتمل إلا إذا كانت من بدايتها إلى نهايتها في دائرة المشروعية والطمأنينة.
أردف : "إذا كتب الله لنا الحج فسيكون من الباب الذي يرضاه الله، لا من بابٍ آخر."
ومضى العام، ثم جاء عام 1446 للهجرة، حاملاً معه البشارة التي طال انتظارها. يصف دكتور ادريس حالهم حين وصلهم خبر القبول بأنه شعر أن سنوات الانتظار كلها تذوب في لحظة واحدة. لم أكن أقرأ اسمي في قائمة الحجاج فحسب، بل كنت أقرأ منحة إلاهيه منحني الله إياها جزاء الصبر الطويل.
بدأت الاستعدادات، وبدأ القلب يرتدي إحرامه قبل الجسد. كانت الأيام التي سبقت السفر مليئة بالدعوات والوصايا والوداعات. وكلما اقترب موعد الرحيل ازداد الشعور بأنني مقبل على رحلة تختلف عن كل ما عرفته من قبل.
وفي صباح الثاني والعشرين من أيار عام 2025، انطلقت القافلة. كنا مجموعة من الأهل والأصدقاء، جمعتنا الرغبة ذاتها، والشوق ذاته، والغاية ذاتها. وجوهٌ تحمل الفرح والرهبة معًا، وقلوبٌ تتسابق نحو الحرمين الشريفين قبل أن تتحرك الحافلة من مكانها.
كان الطريق طويلًا، لكن الأرواح كانت خفيفة. لم يكن أحدٌ منا يفكر في مشقة السفر أو ساعات الانتظار. كنا جميعًا نُصغي إلى نداءٍ خفيٍّ ينبعث من أعماق الروح:
"لبيك اللهم لبيك."
وحين لاحت المدينة المنورة في الأفق، شعرتُ أن الجنه تفتح أبوابها لنا. هنا سار النبي ﷺ، وهنا تنفست الأرض عبق الرسالة الأولى. وما إن دخلنا المسجد النبوي الشريف حتى خُيّل إليّ أن القلب قد سبق الجسد إلى المكان منذ زمن بعيد، وأن كل الطرق التي مشيتها في حياتي كانت خطواتي تقودني إلى هذه اللحظة.
وقفتُ أمام الروضة الشريفة، عاجزًا عن وصف ما يجري في داخلي. الكلمات كانت أصغر من المشاعر، والدموع كانت أصدق من العبارات. هناك أدركتُ أن الحج ليس انتقالًا من بلد إلى بلد، بل انتقال من حالٍ إلى حال، ومن شخص مثقلٍ بالهموم والذنوب إلى روحٍ تتعلم كيف تضع حملها بين يدي الله.
ومن المدينة إلى مكة، ومن الميقات إلى البيت الحرام، بدأت رحلة أخرى؛ رحلة الامتحان الحقيقي للنفس. زحامٌ لا ينتهي، وتعبٌ يثقل الجسد، لكن القلب كان يزداد خفة كلما اقترب من الكعبة. وحين وقعت عيناي عليها لأول مرة، شعرتُ أن الزمن توقف، وأن كل ما عشته قبل هذه اللحظة كان مجرد تمهيد لهذا اللقاء العظيم.
عندها فقط بدأت أفهم معنى السؤال الذي رافقني طويلًا:
هل يُغيّرني الحج؟
وكان الجواب يتشكل بهدوء في أعماقي، مع كل شوطٍ من الطواف، ومع كل دعوةٍ صادقة، ومع كل دمعةٍ سقطت خفيةً بين يدي الله...
في هذه اللحظة أيقنت أن باب رحمته مفتوح مهما أثقلتنا الخطايا، وأن الطريق إليه يبدأ بخطوة صادقة من القلب.
أسأل الله أن يتقبّل حجّنا، وأن يجعل ما شهدناه نورًا في قبورنا، وبركةً في أعمارنا، وثباتًا في أيامنا القادمة. وأسأله سبحانه أن يكتب هذه الرحلة لكل مشتاق، وأن يرزق كل محروم وقفةً بعرفات، ونظرةً إلى الكعبة، ودمعةً صادقةً بين يديه.
فإن كانت هذه الرحلة قد انتهت على صفحات الورق، فإن أثرها سيبقى ما بقي النبض في القلب.
نعم، الحج لا يغيّر المكان الذي نعود إليه، الحج يعود بالإنسان إلى أن يولد من جديد
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.

