الحساب آتٍ لا ريب


كتب - محمد فاروق
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ آل عمران: 185
تحدثت الآية الكريمة عن الموت والبعث والحساب والجزاء، ويمثل الإيمان بالبعث والحساب ركناً أساسياً من أركان الإيمان بالغيب، وقد وصف ربنا سبحانه وتعالى هذا اليوم وصفاً دقيقاً في عدة سور من القرآن الكريم، وقد أتى القرآن بوصف تلك الأحداث بصيغة الماضي تأكيداً على تحقق وقوعها حتماً لا ريب في ذلك. وقد تعددت أسماء هذا اليوم من البعث والنشور إلى ثلاثين اسماً صريحاً مما يدل على عظم وهول هذا اليوم. أراد الخالق سبحانه وتعالى أن ينبه عباده إلى صعوبة وخطورة هذا اليوم فوصف أحداثاً وأهوالاً يشيب لها الولدان وصفاً صريحاً دقيقاً، فأخبر عما يحدث للأرض من زلازل شديدة تؤدي إلى تصدع الأرض وإخراج ما في باطنها، وفي وسط هذا الاضطراب الكوني المرعب يتم النفخ في الصور فيقوم الموتى يجرون أكفانهم ليتفاجؤوا بالسماء وقد تشققت واحمر لونها وتكورت الشمس ودنت من الرؤوس وانكدرت النجوم، أما الجبال الراسيات فأصبحت كالصوف المتطاير في الهواء، فيسيطر الرعب على الخلق فتصدر الأوامر العليا بالتوجه إلى أرض المحشر، فيتدافعون إلى أرض المحشر في ذهول وذعر ورعب من هول ما يحدث حولهم في الكون الفسيح حتى يظن الرائي أن الناس سكارى من تمايلهم وعدم اعتدال مشيتهم، فيقاسون من الهم والغم ما يجعلهم يتمنون الخروج من هذا الموقف ولو إلى جهنم ظناً منهم أنه لا يوجد أقسى ولا أصعب مما وقع بهم، فيذهبون إلى أنبياء الله صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين ويطلبون منهم الشفاعة عند الله حتى يبدأ في حسابهم فيمرون بهم واحداً تلو الآخر فيرفضون جميعاً متعللين بأن الله قد غضب اليوم غضباً شديداً، فينتهون إلى سيد الخلق وحبيب الحق محمد عليه الصلاة والسلام فيسجد تحت عرش الرحمن ويحمده ويثني عليه ويطلب منه الشفاعة للبشر كي يبدأ الحساب، فيتقبل الله شفاعة المصطفى ويبدأ عرض الصحائف؛ فمنا من يأخذ كتابه بيمينه فيكون من أهل الجنة، ومنا من يأخذ كتابه بشماله فيكون من أهل النار، وتنصب الموازين بالقسط، وقد خاب من حمل ظلماً، فمن عمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن عمل مثقال ذرة شراً يره. ثم تأتي مرحلة المرور على الصراط الذي نُصب على قعر جهنم، وحوله كلابيب تتخطف أصحاب جهنم من على الصراط ليقعوا في قعرها ويذوقوا عذابها وآلامها، وكل مرحلة من هذه المراحل يتخللها من الخوف والهلع الشديد ما يُقطِّع الأحشاء، وفي هذه الأثناء يتبرأ الإنسان من أخيه وأمه وأبيه وزوجته وأبنائه وجميع أحبائه المقربين في الدنيا ويقول: نفسي نفسي، بل يلقي باللوم والعتاب على صديقه الحميم وأنه سبب ضلاله وفساده وسبب سقوطه وخذلانه في هذا اليوم العظيم. تخيل أن هذه الشدة وذلك الكرب يستمر خمسون ألف سنة، فما لشدة طول هذا اليوم، فكيف سنعالج تلك المشاهد الرهيبة ونحن متيقنون أشد اليقين على أن كل ما سبق سرده واقع لا محالة دون أدنى شك؛ لأنه وعد ربنا ولا يخلف الله الميعاد، إذاً لماذا نتغافل عن هذا اليوم؟ ولماذا يغيب عن أذهاننا؟ فلو كان يقيننا صادقاً في وقوع تلك الأحداث ووضعناها نصب أعيننا لاختلف حالنا مع الله ومع من حولنا من البشر، وراعينا الله حق رعايته في كل تعاملاتنا ووزنا أعمالنا بحرص شديد قبل أن توزن علينا في هذا اليوم. فأدعو الجميع أن يكون هذا اليوم نصب أعيننا عند كل قرار وعند كل تعامل مع الآخرين وعند كل خطوة نخطوها؛ حتى لا نندم يوم الحساب على أي عمل قمنا به ولم نراعِ الله فيه حق رعايته.

