google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0
أنباء اليوم
 أنباء اليوم

عندما يصبح ”الاعدام” دستوراً

-

بقلم - كمال البندارى

في لحظة سياسية فارقة، يلوح في أفق الكنيست الإسرائيلي شبح "المقصلة"، ليس كأداة لتحقيق العدالة، بل كوسيلة للانتقام الممنهج وتكريس الفصل العنصري في أبشع صوره. إن موافقة الكيان الصهيوني على المضي قدماً في تشريع قانون "إعدام الأسرى الفلسطينيين" ليست مجرد تعديل قانوني، بل هي إعلان صريح عن إفلاس سياسي وأخلاقي، وارتداد شنيع نحو عصور الظلام التي ظن العالم أنه تجاوزها بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إن هذا القانون، الذي يروج له اليمين المتطرف بزعامة "إيتمار بن غفير"، لا يستهدف تحقيق الأمن كما يزعمون، بل يستهدف كسر إرادة الشعب الفلسطيني وتحويل منصات القضاء إلى مسارح للتصفيات السياسية. ففي الوقت الذي يسعى فيه العالم المتحضر إلى إلغاء عقوبة الإعدام، يندفع الكيان الصهيوني عكس التيار الإنساني، معيداً صياغة القوانين لتتناسب مع غرائز الكراهية التي باتت تحكم قراره السياسي.

ما يثير الاستهجان العميق هو "انتقائية" هذا القانون؛ فهو مصمم خصيصاً ليطبق على الفلسطيني "المقاوم"، بينما يتمتع المستوطن الذي يرتكب أبشع الجرائم بحق القرى الفلسطينية بحماية الجيش ودلال القوانين المخففة. نحن هنا أمام "قانون فصل عنصري" بامتياز، يحدد العقوبة بناءً على هوية الجاني القومية لا على طبيعة الجرم.

وفي هذا السياق، يأتي الموقف المصري حازماً وواضحاً، حيث عبرت القاهرة في أكثر من مناسبة عن رفضها القاطع لأي تشريعات تستهدف المساس بحقوق الأسرى الفلسطينيين أو تشرعن القتل خارج إطار العدالة الإنسانية. ترى الدولة المصرية أن هذا التوجه يمثل "صباً للزيت على النار"، وإجهاضاً متعمداً لكل جهود التهدئة التي تقودها مصر في المنطقة.

إن الدبلوماسية المصرية، التي تضع القضية الفلسطينية على رأس أولوياتها، تعتبر هذا القانون خرقاً صارخاً للخطوط الحمراء الإنسانية والقانونية. وقد حذرت الدوائر السياسية في القاهرة من أن إقرار مثل هذه القوانين سيؤدي إلى تآكل ما تبقى من فرص للسلام، وسيدفع المنطقة نحو موجة من العنف لا يمكن التنبؤ بمدى اتساعها، مؤكدة أن "الأمن لا يتحقق بالمشانق، بل باسترداد الحقوق المشروعة".

بموجب اتفاقيات جنيف الرابعة، يُعتبر الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية أسرى يقعون تحت الاحتلال، ولهم حقوق محمية دولياً. إن تشريع الإعدام يمثل خرقاً فاضحاً للمادة 68 من الاتفاقية، وتحدياً سافراً للمجتمع الدولي. إنها رسالة صهيونية واضحة للعالم مفادها: "نحن فوق القانون، ونحن من يقرر من يعيش ومن يموت خارج إطار الشرعية الدولية

على الصعيد السياسي والميداني، يدرك أي مراقب منصف أن هذا القانون لن يجلب الأمن للكيان، بل سيزيد من وتيرة المقاومة ويمنح الأسرى هالة من القدسية الوطنية التي لا تنطفئ. إن تحويل الأسرى إلى شهداء عبر مقصلة "القانون" سيخلق حالة من الغليان الشعبي لا يمكن احتواؤها، وسيقضي على أي أمل ضئيل في استقرار مستقبلي.

إن هذه الخطوة تضع الضمير العالمي أمام اختبار حقيقي. هل سيسمح العالم لكيان احتلالي بأن يشرعن "القتل بدم بارد" تحت غطاء قانوني؟ إن التنديد والاستهجان لم يعد كافياً؛ فالمطلوب اليوم هو تحرك قانوني دولي في محكمة الجنايات الدولية لمحاسبة من يشرعون الموت كأداة سياسية.

إن "قانون الإعدام" هو المسمار الأخير في نعش ادعاءات النزاهة القضائية الصهيونية، وهو دليل قاطع على أن الكيان قد اختار طريق "التوحش الممنهج" في مواجهة شعب لا يملك سوى إرادته وصموده خلف القضبان.

"إن الظلم الذي يُرتكب باسم القانون هو أبشع أنواع الظلم."

google.com, pub-6546128129065693, DIRECT, f08c47fec0942fa0