رمضان شهر الإرادة

قال الأستاذ الدكتور عبدالغنى الغريب أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر:
كنا بالأمس القريب نستقبل رمضان وها نحن ودعناه، وهكذا الدنيا اجتماع وفراق، لقاء ووداع، حركة وسكون، حياة وموت، تغير مستمر.
كل يوم نودع يومنا لنستقبل اليوم الذي بعده، وها نحن ودعنا شهر رمضان لنستقبل شوال.
ومن حق كل مسلم أن يتساءل: هل حالي اليوم وأنا أودع رمضان أفضل حالا كي أستقبل شوال؟
هل نحن تغيرنا؟
هل تغيرت القلوب؟
هل تغيرت الجوارح؟
هل أصبحنا نحب بعضنا طاعة لله عز وجل؟
هل حال هذه الأمة وهي تودع شهر رمضان أفضل من حالها يوم استقبلت هذا الشهر؟
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون رمضان حجةً لنا، وأن يكون رمضان شفيعاً لنا، وأن يكون نوراً لنا، وأن يكون نبراساً لنا، وأن يكون شفيعاً لنا أمام الله سبحانه وتعالى.
أقول:إذا كان رسولنا صلي الله عليه وسلم قد قال:لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ. الترمذى.
فهذا يعني أننا سَنُسأل عن شهر رمضان لأنه يُمثل جزءا من أعمارنا.
كما أن الله سبحانه لن ينظر في هذا السؤال إلى مجرد الصوم، فربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ، وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهرُ. ابن ماجة.
إلى ماذا سينظر ربنا؟
سينظر ربنا إلى مدي تحقق الصيام في نفوسنا، فالأمور بمقاصدها كما قال علماؤنا، والمقصد من الصيام بينه ربنا في قوله: "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". البقرة :١٨٣،وفى ختام آيات الصيام ( كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[ البقرة: ١٨٧]
ولذلك قال ابن عطاء الله السكندري: ربما فتح الله لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك الذنب فكان سببا في الوصول، فمعصيةُُ أورثت ذُلاّ وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا.
لقد رسّخ صوم رمضان في كل واحد منا أننا نمتلك إرادتنا، ولا أحد يستطيع أن ينتزعها منا إلا إذا أردنا نحن ذلك.
والدليل على ذلك: أنك أردت منذ أول رمضان أن تصوم هذا الشهر، ولن يستطيع الشيطان أن يؤثر عليك بحيث يدفعك ولو لإفطار يوم واحد، لأن الشيطان لا يأتى إلا لمن رغب فيه، ولا يوسوس بعمل إلا إذا فتح الإنسان له باب هذا العمل.
الشيطان لم يوسوس لواحد منا أن يشرب الخمر.
أو أن يسجد لصنم.
أو أن يأكل لحم الخنزيز.
أو أن يفطر يوما في مضان،لماذا؟ لأننا أغلقنا الباب علي الشيطان في هذه النواحي، لكنه يوسوس لي: في النظر إلى امرأة.
ويوسوس للآخر: في الغِيبة.
ويوسوس للثالث: في النميمة.
ويوسوس للرابع: في أن يُوقع بين الناس، لأننا لم نغلق هذا الباب، ولم نتخذ قرارا يغلق على الشيطان هذه الأبواب.
هذا ما أراد الله أن يوصله لنا ولإبليس في نفس الوقت حين قال: "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ" الحجر:٤٢،وقال: "إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ) النحل:٩٩ -١٠٠.
ليس صحيحا إذاً ما يدعيه البعض من أن الشيطان هو الذي يَجرُّهم إلى المعاصي .
الزاني يقول: الشيطان ضحك عليّ.
والكاذب يقول: إبليس غرَّني.
والمهمل في الصلاة يقول:إبليس يخدعني .
وغير المحجبة تقول لك: ادعيلى.
هذا لعب بدين الله، وتفريط في الإرادة التى هي مناط إنسانيتك، لأن الله أعطى كل واحد منا: عقلا، وإرادة، وأرسل رسولا، وأنزل مع الرسول كتابا .
ومن هنا وجدنا أنبياء الله يتحملون مسؤلياتهم الكاملة أمام ما يرتكبونه من أعمال.
آدم وحواء لم يقل واحد منهما: ربّ وسوس لي الشيطان، بل قالا: "رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ". الأعراف ٢٣.
وموسي بعد أن قتل القبطي قال: "رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". القصص ١٦.
ويونس عليه السلام نادي في الظلمات "أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ". الأنبياء ٨٧.
المسألة إذاً مسألتك، والقضية قضيتك وليست قضية إبليس، وهذا ما تعلمناه من شهر رمضان الفضيل.
اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا ودعائنا وصالح أعمالنا، اللهم اختم لنا شهر رمضان بغفرانك، والعتق من نيرانك، وأعده علينا أعوامًا عديدة، وأزمنةً مديدة. اللهم آمين يارب العالمين

