ومضات رمضانيه.. 20 رمضان… يوم الفتح الأعظم وسقوط الأوثان

في صفحات التاريخ أيام تمرّ عابرة، وأيام أخرى تُكتب بحبر التحولات الكبرى.
كان العشرون من رمضان يوماً من تلك الأيام التي تتبدل فيها الموازين؛ يومٌ شهد سقوط الأصنام، وولادة مدن، ورحيل عقول صنعت معالم الفكر والحضارة.
إنه يوم يجمع بين الفتح والتأسيس؛ بين لحظة تطهير الكعبة في مكة، وبناء قواعد حضارية امتدت من إفريقية إلى دمشق، وبين رحيل رجال تركوا أثراً عميقاً في الفكر والسياسة.
حين دخل الفاتح متواضعاً
كان الصباح هادئاً فوق جبال مكة، لكن المدينة التي طردت النبي صلى الله عليه وسلم قبل ثمانية أعوام كانت على موعد مع مشهد لم تعرفه من قبل.
تحرك جيش المسلمين، عشرة آلاف مقاتل، يتقدمهم النبي صلى الله عليه وسلم.
لم يكن دخول المنتصرين عادةً لحظة تواضع، لكن النبي دخل مكة مطأطئ الرأس حتى كادت ذقنه تمسّ راحلته، يردد آيات سورة الفتح.
كانت قريش تراقب المشهد بصمت.
المدينة التي قاتلت الإسلام سنوات طويلة أصبحت الآن بين يدي صاحبه الأول.
توجه النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة إلى الكعبة المشرفة.
في ساحتها كانت تقف ثلاثمئة وستون صنماً، آثار قرون من الوثنية.
اقترب النبي، وطعن الأصنام بقوسه وهو يتلو:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾
كانت تلك اللحظة أكثر من إسقاط تماثيل حجرية؛
كانت إعلاناً بانتهاء زمن الجاهلية وبداية عصر جديد.
العفو الذي غيّر التاريخ
وقف أهل مكة في صحن المسجد الحرام، ينتظرون الحكم الذي سيصدر بحقهم.
كانوا يدركون أنهم حاربوا النبي سنوات، وأخرجوه من بلده.
نظر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال:
"يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟"
قالوا في خشوع:
أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم.
فأجابهم بكلمات ستظل من أعظم لحظات الرحمة في التاريخ:
"لا تثريب عليكم اليوم… اذهبوا فأنتم الطلقاء."
وفي تلك اللحظة صعد بلال بن رباح فوق الكعبة، وأطلق الأذان لأول مرة من أعلاها، ليعلن أن مكة التي كانت مركز الوثنية أصبحت قلب العالم الإسلامي.
مدينة تولد في قلب إفريقية
بعد عقود من ذلك الفتح، كان رجل آخر يضع أساساً لحلم جديد.
في سهول إفريقية، وقف القائد عقبة بن نافع يخطط لمدينة لم تكن مجرد تجمع سكاني، بل قاعدة حضارية.
هكذا وُلدت القيروان.
لم تكن مدينة عادية؛
كانت حصناً عسكرياً، ومركزاً علمياً، ومنطلقاً لفتح المغرب والأندلس.
وفي قلبها بُني جامع القيروان الكبير، الذي أصبح لاحقاً مدرسة كبرى لتعليم القرآن واللغة العربية، ومركزاً لتعريب قبائل البربر ودمجهم في الحضارة الإسلامية.
ومن تلك المدينة الصغيرة خرجت جيوش حملت الإسلام حتى الأندلس.
من ظلام السجن إلى نور المآذن
وفي القاهرة، بعد قرون طويلة، كانت قصة أخرى تُكتب.
كان السلطان المؤيد شيخ سجيناً في أحد أقسى سجون المماليك، سجن خزانة شمائل، حيث الظلام والرطوبة والبراغيث.
وفي تلك العتمة نذر الرجل نذراً غريباً:
إن خرج من هذا السجن وتولى الحكم، فسوف يحوله إلى مسجد.
مرت السنوات…
وتحقق الأمر.
أصبح السجين سلطاناً، وأوفى بنذره.
هدم السجن، وبنى مكانه جامع المؤيد شيخ.
بل إنه استغل باب زويلة ليكون قاعدة لمئذنتي المسجد، في ابتكار معماري فريد جعل المؤرخين يعدونه من أجمل مساجد القاهرة.
وهكذا تحولت عتمة السجن إلى نور مآذن.
يوم الرحيل أيضاً
لكن العشرين من رمضان لم يكن يوماً للولادة والبناء فقط، بل شهد أيضاً رحيل رجال غيّروا مسارات الفكر والسياسة.
ففي هذا اليوم توفي فخر الدولة البويهي، أحد أبرز أمراء الدولة البويهية التي هيمنت على الخلافة العباسية. وبموته بدأت شقوق الانقسام تضرب تلك الدولة، مما فتح الطريق لاحقاً لظهور قوى جديدة مثل السلاجقة.
وفي دمشق، رحل عالم آخر ترك أثراً لا يمحى في علوم الحديث، هو الإمام ابن الصلاح.
كان علم الحديث قبله مبعثراً بين الكتب، فجاء بمقدمته الشهيرة التي نظّمت مصطلحات هذا العلم وضبطت قواعده.
حتى إن كبار العلماء بعده – مثل النووي وابن حجر – ظلوا يعتمدون على ما وضعه من أسس.
الفيلسوف الذي جمع بين العقل والروح
وفي القرن الحادي عشر الهجري، طويت صفحة أحد أعظم فلاسفة الإسلام: ملا صدرا الشيرازي.
كان رجلاً حاول أن يجمع بين العقل الفلسفي، والإشراق الصوفي، والوحي الديني في مدرسة سماها الحكمة المتعالية.
تعرض للنفي والاضطهاد بسبب أفكاره الجريئة، فعاش سنوات طويلة في عزلة يتأمل ويكتب.
ويروى أنه توفي في العشرين من رمضان وهو في طريقه إلى الحج للمرة السابعة… ماشياً على قدميه.
رحل الجسد، لكن أفكاره ظلت تؤثر في الفلسفة الإسلامية حتى اليوم.
يوم تتلاقى فيه المعاني
وهكذا يبدو العشرون من رمضان كأنه لوحة تاريخية متعددة المشاهد:
فتح مكة…
سقوط الأصنام…
ولادة القيروان…
تحول السجن إلى مسجد…
ورحيل علماء وفلاسفة.
كلها أحداث مختلفة، لكنها تشترك في معنى واحد:
أن الحضارات لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالعفو والعلم والفكر.
ولهذا ظل هذا اليوم علامة فارقة في ذاكرة التاريخ الإسلامي؛
يومٌ بدأ بتحطيم الأصنام حول الكعبة…
وانتهى بتأسيس أصنام من نوع آخر: أصنام المعرفة والحضارة التي لا تسقط.

