ومضات رمضانيه .. السابع عشر من رمضان ”يوم الفرقان”

في صباحٍ من صباحات رمضان الأولى، كان وادي بدر هادئًا على غير عادته.
الرمال الصفراء تمتد بلا نهاية، والسماء فوقها صافية كأنها تنتظر حدثًا غير عادي. لم يكن أحد يتوقع أن هذا الوادي الصغير سيصبح بعد ساعات عنوانًا ليومٍ سماه القرآن لاحقًا "يوم الفرقان"… اليوم الذي انقسم فيه التاريخ إلى ما قبله وما بعده.
حين تغيّر ميزان القوة
خرج المسلمون من المدينة وهم قلةٌ لا تتجاوز ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً. لم يخرجوا بحثًا عن حربٍ كبرى، بل لاسترداد شيءٍ من أموالهم التي صادرتها قريش بعد الهجرة. كانت قافلة أبي سفيان عائدة من الشام، تمثل شريان التجارة المكية.
لكن القدر كان ينسج قصة أكبر.
نجت القافلة بالفعل، وكان بإمكان قريش أن تعود أدراجها.
غير أن كبرياءها أبى الانسحاب، فأصرت على القتال، وسارت نحو بدر بألف مقاتل، كأنها تريد أن تثبت أن القوة لا تزال في يدها.
وقف المسلمون أمام هذا التحدي الصعب.
كان الموقف يحتاج إلى عقلٍ بقدر ما يحتاج إلى شجاعة.
هنا ظهرت قيمة الشورى.
تقدم الصحابي الحباب بن المنذر باقتراح عسكري حاسم:
"يا رسول الله، ليس هذا بمنزل… فلنسبق القوم إلى الماء."
استجاب النبي صلى الله عليه وسلم للرأي، فتقدم الجيش نحو آبار بدر وسيطر عليها. ثم بُني عريشٌ بسيط ليكون مركز القيادة، بناءً على مشورة سعد بن معاذ.
كانت تلك لحظات حاسمة، لا تعتمد فقط على السيوف، بل على الحكمة والتخطيط.
ثم بدأت المعركة.
لم تكن معركة أعداد، بل معركة إيمان.
ومع أول غروب للشمس كان المشهد قد تغير تمامًا: سقط كبار قادة قريش، وانكسر غرورها، وارتفعت راية المسلمين لأول مرة كقوةٍ حقيقية في الجزيرة.
ذلك اليوم لم يكن مجرد نصر عسكري، بل تحول استراتيجي ثبت أركان الدولة الإسلامية الناشئة.
بين النصر والحزن
وفي الوقت الذي كانت فيه المدينة تنتظر بشائر النصر، كان بيت النبي صلى الله عليه وسلم يعيش لحظة ألمٍ صامت.
فقد كانت ابنته السيدة رقية زوجة عثمان بن عفان طريحة المرض.
أمر النبي عثمان بالبقاء في المدينة لتمريضها، فغاب عن بدر.
وقبل أن يعود جيش المسلمين، كانت رقية قد فارقت الحياة.
دُفنت في البقيع بهدوء، بينما كانت أخبار النصر تقترب من المدينة.
امتزجت دموع الفقد بفرحة الانتصار، وكأن التاريخ يذكّر بأن الحياة لا تمنح فرحًا خالصًا.
وبعد قرون طويلة، عاد ١٧ رمضان ليشهد حدثًا آخر في القدس.
في عام 490 هـ، تمكن الوزير الفاطمي الأفضل شاهنشاه من استعادة المدينة من الأرتقيين التابعين للسلاجقة. بدا الأمر يومها وكأنه انتصار سياسي كبير؛ فعادت خطبة الجمعة باسم الخليفة الفاطمي في المسجد الأقصى.
لكن ذلك الانتصار كان يحمل في داخله بذور الخطر.
فالانقسام بين القوى الإسلامية الفاطميين والعباسيين والسلاجقة أضعف الجبهة الداخلية. وبعد أقل من عامين فقط، وصلت جيوش الحملة الصليبية الأولى إلى أسوار القدس.
وفي عام 492 هـ سقطت المدينة، ووقعت المذبحة الشهيرة داخل المسجد الأقصى.
هكذا تحوّل نصرٌ قصير إلى مقدمة كارثة تاريخية.
نهاية سلطان
وفي السابع عشر من رمضان أيضًا، لكن عام 709 هـ، طويت صفحة حكم سلطان مملوكي لم يدم طويلًا.
كان اسمه بيبرس الجاشنكير.
ولقبه الغريب جاء من وظيفته القديمة: ذائق طعام السلطان، للتأكد من خلوه من السم.
تولى الحكم في زمن اضطراب، لكن الناس لم يرضوا عنه.
حل القحط، وانخفض منسوب النيل، واشتدت المجاعة.
فصار العامة يهتفون في شوارع القاهرة ساخرين:
"جبت لنا الجوع والناشف يا جاشنكير!"
لم يصمد حكمه طويلًا، وسقط سريعًا تحت ضغط الأحداث والناس.
درس التاريخ
هكذا ظل السابع عشر من رمضان يومًا يجمع بين مفارقات التاريخ:
نصرٌ يغير ميزان القوة في بدر،
وحزنٌ يسكن بيت النبوة،
وانتصارٌ سياسي قصير في القدس يمهد لسقوطها،
وسلطانٌ يرتفع ثم ينهار.
كأن التاريخ يهمس لنا دائمًا
الأيام دول… بين فرقانٍ يصنع المجد، ولحظة غفلةٍ قد تغيّر مصير الأمم.

