أنباء اليوم
 أنباء اليوم

العاشر من رمضان يوم العبور وبطولة الجيش المصري في حرب أكتوبر

تامر المنشاوي -

يمثل يوم العاشر من رمضان علامة فارقة في التاريخ المصري الحديث، فهو اليوم الذي استعاد فيه المصريون ثقتهم بأنفسهم بعد سنوات من الألم عقب هزيمة عام 1967. ففي هذا اليوم المجيد الموافق السادس من أكتوبر عام 1973، استطاع الجيش المصري أن يحقق إنجازًا عسكريًا تاريخيًا بعبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف الحصين، ليكتب صفحة جديدة من صفحات الكرامة الوطنية ويؤكد قدرة المصريين على تحويل الهزيمة إلى نصر.

عاشت مصر بعد نكسة يونيو 1967 فترة صعبة اتسمت بالحزن والتحدي، حيث احتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء وأقامت على الضفة الشرقية لقناة السويس تحصينات دفاعية قوية عُرفت باسم خط بارليف، وهو خط دفاعي ضخم من السواتر الترابية والتحصينات الخرسانية ونقاط المراقبة، وكان يُعتقد في ذلك الوقت أنه من المستحيل اختراقه. إلا أن الدولة المصرية لم تستسلم لهذا الواقع، بل بدأت مرحلة طويلة من إعادة بناء القوات المسلحة وإعدادها لمواجهة جديدة تستعيد الأرض والكرامة، وكان الجيش المصري خلالها يخوض تدريبات مكثفة ويستفيد من خبرة حرب الاستنزاف التي أعادت للجنود روح الثقة والاستعداد.

ومع تولي الرئيس محمد أنور السادات الحكم في مصر عام 1970، بدأ التفكير الجاد في كسر حالة الجمود العسكري والسياسي. أدرك السادات أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لسيناء يمثل جرحًا مفتوحًا في الوجدان الوطني، ولذلك اتخذ قرارًا استراتيجيًا بإعداد الجيش المصري لخوض معركة التحرير. وقد عملت القيادة السياسية والعسكرية خلال تلك الفترة على إعادة تنظيم القوات المسلحة وتطوير قدراتها القتالية، إلى جانب إعداد خطة عسكرية دقيقة تحقق عنصر المفاجأة وتضمن تحقيق أهداف محددة على أرض المعركة.

كان التخطيط العسكري للحرب يعتمد على رؤية رئيس أركان القوات المسلحة الفريق سعد الدين الشاذلي، الذي وضع خطة العبور التي اعتمدت على عبور قناة السويس وتدمير تحصينات خط بارليف وإقامة رؤوس جسور قوية شرق القناة تحت حماية مظلة الدفاع الجوي المصري. وقد قامت هذه الخطة على عنصر المفاجأة والتنسيق الكامل بين القوات البرية والجوية والبحرية، الأمر الذي أتاح للقوات المصرية تحقيق تفوق واضح في الساعات الأولى من المعركة.

وفي الساعة الثانية من ظهر السادس من أكتوبر، الموافق للعاشر من رمضان، بدأت القوات المصرية تنفيذ الهجوم. انطلقت المدفعية في قصف مكثف لمواقع العدو على الضفة الشرقية للقناة، ثم عبرت قوات المشاة قناة السويس في قوارب مطاطية وسط عزيمة وإصرار الجنود الذين كانوا يدركون أنهم يخوضون معركة مصيرية لاستعادة الأرض والكرامة. وخلال ساعات قليلة نجح الجنود المصريون في اقتحام خط بارليف الذي طالما روجت إسرائيل لاستحالته، وتم رفع العلم المصري على الضفة الشرقية للقناة في مشهد تاريخي أعاد للأمة المصرية شعورها بالفخر.

وقد شارك في تحقيق هذا النصر عدد كبير من القادة العسكريين الذين لعبوا أدوارًا مهمة في إدارة المعركة، ومن بينهم وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة أحمد إسماعيل علي، الذي تولى قيادة العمليات العسكرية على الجبهة المصرية، كما لعب قائد القوات الجوية آنذاك حسني مبارك دورًا مهمًا في تنفيذ الضربة الجوية الأولى التي استهدفت مواقع العدو ومطاراته العسكرية، الأمر الذي مهد الطريق أمام القوات البرية لتحقيق نجاح سريع في عملية العبور.

ولم يكن النصر في حرب أكتوبر نتيجة جهود القادة وحدهم، بل كان ثمرة تضحيات آلاف الجنود المصريين الذين قاتلوا ببسالة على أرض سيناء. وقد قدم المهندسون العسكريون بطولات عظيمة أثناء إقامة الكباري فوق قناة السويس لتمكين الدبابات والمعدات الثقيلة من العبور، وكان من بين أبرز هؤلاء القادة العميد المهندس أحمد حمدي الذي استشهد أثناء قيادة عمليات إنشاء الكباري خلال المعارك، ليبقى اسمه رمزًا للتضحية والإخلاص في سبيل الوطن.

لقد أعاد العاشر من رمضان للمصريين ثقتهم بأنفسهم وأثبت أن الإرادة الوطنية قادرة على تحقيق المستحيل عندما تتوافر القيادة الحكيمة والتخطيط السليم وروح التضحية لدى الجنود. ولم يكن العبور مجرد انتصار عسكري، بل كان نقطة تحول تاريخية أعادت التوازن إلى المنطقة ومهدت الطريق أمام استعادة سيناء لاحقًا.

وتبقى ذكرى العاشر من رمضان حاضرة في وجدان المصريين جيلاً بعد جيل، فهي ليست مجرد ذكرى حرب، بل رمز للإرادة الوطنية والعزيمة التي تمكنت من تحويل الهزيمة إلى نصر، ودرس خالد يؤكد أن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحرية والكرامة تستطيع أن تصنع التاريخ.