أنباء اليوم
 أنباء اليوم

الرموز الوطنية في مقابر الخالدين

تامر المنشاوي -


في قلب القاهرة التاريخية، يبرز مشروع مقابر الخالدين بالقرب من جبانات الإمام الشافعي والسيدة نفيسة وعلى مقربة من متحف الحضارة المصرية، ليشكل نموذجًا فريدًا يجمع بين العمارة الإسلامية التقليدية والفن المصري الحديث. لم يقتصر المشروع على إقامة الشواهد فحسب، بل أصبح مشهدًا متكاملًا يحفظ التاريخ ويخلد شخصيات وطنية بارزة لعبت أدوارًا محورية في تاريخ مصر، مع التأكيد على الحفاظ على التركيبة الأصلية للشواهد والنقوش لكل شخصية.
منذ عام 2023، حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على أن تكون هذه المقابر نموذجًا يحتذى به في صون التراث الوطني وحماية الهوية، من خلال العناية بالنسيج العمراني الكامل الذي يضم واجهات وأبوابًا وأسبلة وقبابًا تعكس الفن المعماري المصري وتاريخ الجبانات الجنائزية، مع مراعاة الحفاظ على التركيبة الأصلية لبعض شواهد الشخصيات الوطنية.
قاد المهندس أحمد فتحي، رئيس شركة إبداع للمقاولات، عملية الترميم الدقيق بمشاركة المرمم محمود البحيري وفريقه، مع الحرص على صون أصالة المعمار والرموز الوطنية التي تجسد قيم الانتماء والتضحيات، مؤكدين أن كل التركيبات المعمارية للشخصيات الوطنية بقيت وفق تصميمها الأصلي.
كما لعب المرممون دورًا محوريًا في إعادة المقابر إلى رونقها الأصلي، حيث شمل عملهم إعادة التركيبات المعمارية والنقوش إلى حالتها الأصلية بعناية فائقة. وقد حرص فريق الترميم على معالجة الشقوق والصدمات في الرخام والكتل الحجرية مع الحفاظ على النقوش والزخارف الأصلية بخطوطها الدقيقة وألوانها، بما في ذلك شواهد إسماعيل سليم باشا، أحمد شوقي، محمود باشا الفلكي، وعائشة هانم صديقة، لتبقى كل تركيبة وفية لتصميمها الأصلي وتعكس روح الفن المعماري المصري.
من أبرز الشخصيات التي تضمها المقابر عائشة هانم صديقة، حيث يعلو شاهد قبرها تاج مزين بشعار مصر الهلال والنجمة الخماسية، ويشمل نصوصًا دينية من البسملة و الشهادتين وآيات من القرآن الكريم، كلها بخط الثلث المركب. شملت أعمالها الخيرية إنشاء جامع ومستشفى ومدرسة ومكتبة وملجأ للبنات ومنازل للفقراء، إلى جانب إصلاح طرق القرافة، وتزويج الفتيات الفقيرات ودفن العلماء، وتعكس شواهدها المحافظة على التركيبة الأصلية روح أعمالها الخيرية ورؤيتها الحضارية المتكاملة للوقف كأداة للتنمية الاجتماعية. وتشير وثائقها إلى امتلاك ورثتها أوقافًا واسعة في المدينة المنورة، تقدر بنحو 25 فدانًا، دخلت ضمن توسعات الحرم النبوي.
كما يخلد المقابر العالم محمود باشا الفلكي، الذي تولى مناصب مهمة منها ناظر مدرسة المهندسخانة ووكيل وناظر للمعارف وعضو ثم رئيس الجمعية الجغرافية المصرية. رسم خريطة علمية مفصلة لمصر، و أنشأ الرصد خانة، وأشرف على تركيب الأجهزة الفلكية، وأجرى أبحاثًا حول فيضان النيل، وشارك في رصد كسوف الشمس عام 1860، مؤكدًا قدرة العلماء المصريين على المساهمة في العلم الحديث، مع الحفاظ على التركيبة الأصلية لشاهد قبره وتفاصيله كما صممت في الأصل.
أما أحمد شوقي، أمير الشعراء، فقد كان رائد النهضة الأدبية والفنية والسياسية في مصر، حيث جمع أشعاره في ديوان "الشوقيات" وكتب مسرحيات شعرية وروايات نثرية ومقالات اجتماعية تناولت الوطن والتعليم والسياسة، متفردًا بأسلوبه الغني بالصور اللغوية والنغم الشعري. ويظهر في شواهد مقبرته الحفاظ على التركيبة الأصلية لشاهد قبره وتصميمه المعماري.
ومن الشخصيات العسكرية البارزة، نجد الفريق إسماعيل سليم باشا (حوالي 1809–1867)، من أصول يونانية، تولى نظارة الجهادية في عهدي سعيد باشا وإسماعيل باشا. شارك ضابطًا صغيرًا في حملة الشام تحت قيادة إبراهيم باشا، وتولى قيادة النجدة التي أمد بها الخديوي إسماعيل الدولة العثمانية في حرب كريت سنة 1866، وأبلى بلاء حسنًا في إخماد الثورة، قبل أن يتوفى لأسباب يُرجح أنها حمى التيفود، مع التأكيد على أن شاهد قبره وحفظ تركيبه الأصلي يعكس دوره العسكري وأهميته التاريخية.
كما تضم المقابر شواهد تراثية لعائلات مرموقة مثل رضا يكن والعظم وحقي العظم أول رئيس وزراء لسوريا، وكلزار هانم، بالإضافة إلى شاهد قبر حسين باشا، ممن تركوا بصمة بارزة في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية لمصر والمنطقة، مع الحفاظ على التركيبة الأصلية لشواهدهم وتصميماتها لتبقى شهادة حية على دور هذه العائلات التاريخي.
وتؤكد الباحثة في التراث المصري سلمي أحمد أن مقابر الخالدين ليست مجرد أماكن دفن، بل سجل حي لتاريخ مصر المعاصر يعكس القيم الوطنية والتضحيات التي قدمها أبناؤها، مشددة على أهمية الاهتمام بالمقابر التاريخية بما يشمل النسيج العمراني والتاريخي للجبانات الجنائزية، من واجهات وأبواب وأسبلة وقباب، لتشكل مجمعًا جنائزيًا متكاملًا يعكس الفن والذاكرة الوطنية، مع الالتزام بالحفاظ على التركيبة الأصلية للشواهد والنقوش لكل شخصية. وأعربت عن سعادتها الكبيرة لمشاهدة التركيبة الأصلية للسيدة العظيمة عائشة هانم صديقة، مؤكدة أن الشواهد تحافظ على روح أعمالها الخيرية ورؤيتها الحضارية.
تكتسب هذه المقابر أهمية كبيرة لأنها تحافظ على الهوية الوطنية من خلال توثيق حياة الشخصيات التي ساهمت في بناء الدولة المصرية الحديثة، وتعد سجلًا حيًا للتاريخ يربط الأجيال القادمة بالقيم الوطنية والانتماء والتضحيات التي قدمها أبناؤها، مع الحفاظ على التركيبة الأصلية لكل شواهدهم.