ذو الكفل… حين انتصر الوعد على الغضب

في زمنٍ كثرت فيه الفتن، وقلّ فيه الصابرون، كان هناك رجلٌ صالحٌ عُرف بالهدوء والعدل. لم يكن كثير الكلام، لكن ملامح وجهه كانت تعبر عن سكينةٍ عميقة، كأن في قلبه بحرًا لا تعكره الرياح.
في بني إسرائيل كان هناك نبيٌّ كبيرٌ قد تقدّم به العمر، فأراد أن يستخلف من بعده رجلًا يحمل الأمانة. جمع الناس وقال: "من يتكفّل بثلاث: أن يصوم النهار، ويقوم الليل، وألا يغضب، فله أن يلي أمري."
ساد الصمت ،الشروط ليست سهلة. الصيام، والقيام، والأصعب… ألا يغضب!
تقدم رجلٌ هادئ القسمات، وقال بثبات: "أنا لها."
نظر القوم إليه متعجبين. أهو قادر؟ أهو يدرك ثقل ما تعهّد به؟ لكنه أعادها ثانية وثالثة: "أنا لها."
فسمّاه النبي ذو الكفل… لأنه تكفّل بما عجز عنه غيره.
مضت الأيام، وكان الرجل وفيًّا بوعده؛ يصوم فلا يفطر، ويقوم فلا ينام إلا قليلًا، ويقضي بين الناس بالعدل.
لكن الشيطان لم يرضَ أن ينجح هذا العهد.
جاءه يومًا رجلٌ يختصم، يتعمد إثارة غضبه، يرفع صوته، يطعن في حكمه، يسيء الأدب أمام الناس. ما كان من ذو الكفل إلا أنه صبر وأعاد عليه القول بالحسنى.
عاد إليه مرة أخرى ، وطرق بابه بإلحاحٍ شديد. "يا ذا الكفل! إن لي مظلمة!"
فتح الباب، وملامح التعب تبدو عليه، لكنه قال برفق: "ما شأنك؟"
راح الرجل يكرر الشكوى ذاتها، بأسلوبٍ أشد وقاحة. كان اختبارًا. يشبه شظايا نار صغيرة أراد الشيطان أن يشعلها في صدره.
لحظة واحدة من الغضب كانت كافية ليسقط العهد.
لكن ذو الكفل تنفّس بعمق… وأطرق برأسه… ثم قال: "إن كنت مظلومًا، فحقك عليّ. وإن كنت تختبرني، فالله أعلم بك."
خجل الرجل، وانصرف. وقيل إنه كان الشيطان في صورة إنسان، أراد أن يستفزه فلم يقدر.
لم يكن انتصار ذو الكفل في صيامه، ولا في قيامه، بل في تلك اللحظة الخفية حين كظم الغيظ، وانتصر على نفسه.
وهكذا رُفع ذكره في كتاب الله، فقال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾
(سورة الأنبياء)
والسؤال هنا عزيزي القارئ
أيهما أفضل في جهاد النفس أن تغلب عدوًّا أمامك، بل أن تغلب غضبك داخلك؟

