أنباء اليوم
 أنباء اليوم

عثمان بك المنشاوي سيرة وطن في وجدان عائلة

عثمان بك المنشاوي
تامر المنشاوي -


في الواحد والعشرين من فبراير عام 1932 رحل عثمان بك المنشاوي، لتبقى ذكراه ممتدة في تاريخ أسرته وفي صفحات من التاريخ المصري الحديث. وبعد أربعة وتسعين عامًا على وفاته، تظل سيرته مرتبطة بعصر كامل من التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر منذ القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين.
ينتمي عثمان بك المنشاوي إلى أسرة عريقة في محافظة الغربية، تمتد جذورها إلى عصر محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة. فجده أحمد آغا المنشاوي كان عضوًا في مجلس المشورة في عهده، وهو المجلس الذي مثّل خطوة مبكرة في تنظيم الإدارة والحياة السياسية في البلاد، ما يعكس مكانة الأسرة وثقلها الاجتماعي في تلك المرحلة.
أما والده، بسيوني بك المنشاوي، فقد شغل منصب قائم مقام مفتش زراعات في عهد الخديوي إسماعيل، وهو منصب إداري مهم في زمن كانت فيه الزراعة عماد الاقتصاد المصري. وقد أسهم هذا الموقع في ترسيخ حضور الأسرة في المجالين الإداري والاقتصادي، خاصة في دلتا النيل.
ويبرز في تاريخ العائلة اسم أحمد باشا المنشاوي، عم عثمان بك المنشاوي، الذي عُرف بأعماله الخيرية الواسعة، فأسس مستشفى المنشاوي العام ومسجد المنشاوي بمدينة طنطا، وكان من كبار الأعيان الذين جمعوا بين الوجاهة الاجتماعية والعمل الوطني. ارتبط بعلاقة صداقة بالزعيم أحمد عرابي، وورد ذكره في مذكرات عرابي في سياق إهدائه شتلات المانجو القادمة من سيلان، والتي أصبحت لاحقًا من الزراعات المعروفة في مصر. كما قام بحماية خطيب الثورة العرابية عبد الله النديم في أوقات الشدة، في موقف يعكس انحياز الأسرة للحركة الوطنية.
ولم يكن تأثير العائلة بعيدًا عن الحياة الثقافية؛ فقد طلب شاعر النيل حافظ إبراهيم من أحمد باشا المنشاوي التبرع لإغاثة أحداث ميت غمر، وخلّد ذلك في شعره، بما يعكس التداخل بين العمل الخيري والحضور الثقافي في تلك المرحلة. كما شهدت الأسرة قضية قانونية عام 1902 تتعلق بمزرعة مواشٍ تخص الخديوي عباس حلمي الثاني، وترافع فيها المحامي الشهير إبراهيم بك الهلباوي، وهو ما يدل على حجم القضية ومكانة أطرافها.
ويمتد الحضور السياسي للعائلة إلى جيل آخر، حيث كان شقيقاه حافظ باشا المنشاوي ويوسف باشا المنشاوي من أعضاء مجلس الأمة، في مرحلة مهمة من تطور الحياة النيابية في مصر، وهو ما يعكس استمرار انخراط الأسرة في العمل العام والمشاركة البرلمانية، وتأكيد دورها في الشأن الوطني عبر أكثر من جيل.
في هذا السياق العائلي والسياسي نشأ عثمان بك المنشاوي، فكان امتدادًا لإرث يجمع بين الإدارة والزراعة والعمل العام. امتلك عزبة في شنرة البحرية حملت اسمه، وأقام مسجدًا بها، كما كانت له أعمال في كوم أشناوي بمركز السنطة، استمرارًا لنهج العائلة في خدمة المجتمع المحلي.
عاصر عثمان بك المنشاوي أحداثًا فاصلة في تاريخ مصر، وعلى رأسها ثورة 1919، التي شكّلت لحظة وطنية جامعة في مواجهة الاحتلال البريطاني. وتشير الروايات العائلية إلى أنه اهتم بتوثيق تلك المرحلة من خلال صور نيجاتيف للثورة الوطنية ، و كما زار القاهرة وشهد معالمها الكبرى مثل الأهرامات وقلعة صلاح الدين، في زمن كانت العاصمة فيه مركزًا للحراك السياسي والاجتماعي.
عقب وفاته في 21 فبراير 1932، دُفن في البداية بقرية أشناواي، ثم نُقلت رفاته لاحقًا إلى مقبرة بالبساتين تحمل اسمه، في دلالة على حرص الأسرة على تخليد ذكرى رجالها وصون تاريخها.
إن سيرة عثمان بك المنشاوي تعكس صورة لعائلة مصرية ارتبط اسمها بالزراعة والإدارة والعمل الخيري والمواقف الوطنية والعمل النيابي. وهي سيرة تمتد عبر أجيال، من مجلس المشورة في عهد محمد علي، إلى الثورة العرابية، ثم ثورة 1919، وصولًا إلى تطور الحياة البرلمانية في مصر. وفي ذكرى رحيله، تبقى الدعوة له بالرحمة والوفاء جزءًا من حفظ الذاكرة، كما تبقى سيرته صفحة من صفحات التاريخ الاجتماعي المصري الذي كتبته العائلات بأفعالها قبل أن تسجله الوثائق.