إبراهيم بك الهلباوي من البحيرة إلى الإمام الشافعي بين رموز الوطن

وُلد إبراهيم بك الهلباوي في محافظة البحيرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في زمن كانت فيه مصر تعيد تشكيل مؤسساتها الحديثة وتبحث عن ملامح دولة القانون، ولكنه حمل طموحًا كبيرًا قاده إلى القاهرة، حيث صاغ مسيرته المهنية في ساحات القضاء، ليصبح أحد أبرز أعلام المحاماة المصرية، وأول نقيب للمحامين عند تأسيس النقابة عام 1912.
في القاهرة، بزغ نجمه داخل أروقة المحاكم المختلطة والوطنية، وتميز ببلاغته وقوة منطقه، حتى لُقب بأمير المحامين. كان حضوره لافتًا في القضايا الكبرى التي شغلت الرأي العام، وأصبح اسمه مرتبطًا بمرحلة تأسيسية من تاريخ العدالة في مصر. وعندما تأسست نقابة المحامين، جاء اختياره أول نقيب تعبيرًا عن مكانته المهنية وثقة زملائه فيه، فعمل على ترسيخ تقاليد المهنة والدفاع عن استقلالها، مؤمنًا بأن المحاماة رسالة قبل أن تكون وظيفة.
مثلت حياته جزءًا من تاريخ مصر القانوني والسياسي، إذ عاصر تحولات كبرى، وشارك في صياغة مشهد مهني جديد قائم على التنظيم النقابي والوعي بدور المحامي في المجتمع. ورغم الجدل الذي أحاط ببعض محطات مسيرته، ظل اسمه حاضرًا في سجل الرواد الذين أسسوا للمحاماة المصرية الحديثة.
ولم يتوقف أثره عند حدود حياته، فقد اهتم حفيده عمرو الهلباوي بإحياء تراث جده، وجمع وثائقه وصوره ومقتنياته، كما انشغل بتوثيق تاريخ المقابر الجنائزية ومن ضمنها مقبرة عائلته، إدراكًا منه لقيمة هذا التراث في حفظ الذاكرة الوطنية والاجتماعية. فشواهد القبور والنقوش والزخارف ليست مجرد أحجار، بل وثائق صامتة تسجل أسماء ومناصب وتحولات مجتمع بأكمله.
ويكتسب هذا الاهتمام بعدًا رمزيًا خاصًا إذا علمنا أن إبراهيم بك الهلباوي دُفن في منطقة الإمام الشافعي، في قلب جبانة تعد من أهم جبانات القاهرة التاريخية، حيث ترقد إلى جواره رموز وطنية مصرية بارزة من رجال الفكر والسياسة والقانون. وجود مقبرته في هذا الموضع يمنح سيرته امتدادًا مكانيًا في ذاكرة العاصمة، ويضعه ضمن سياق تاريخي يضم نخبة من أعلام مصر الذين شكلوا وجدانها الحديث.
وهكذا تتكامل سيرة إبراهيم بك الهلباوي بين الريف الذي شهد مولده، والقاهرة التي صنعت مجده المهني، والإمام الشافعي الذي يحتضن رفاته بين رموز الوطن. سيرة رجل صعد من البحيرة إلى قمة المحاماة، وترك أثرًا مهنيًا وتاريخيًا، تولت الأجيال التالية مهمة صونه، ليظل اسمه حاضرًا في سجل العدالة المصرية وفي ذاكرة المكان على السواء.

