بمناسبة رمضان الفتح الإسلامي لمصر وحصار حصن بابليون وتأسيس الفسطاط

في شهر رمضان من العام العشرين للهجرة، بدأت مصر صفحة جديدة في تاريخها بدخول جيوش المسلمين بقيادة القائد العربي عمرو بن العاص، وذلك في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب. كان هذا الحدث نقطة تحول كبرى أنهت الحكم البيزنطي في وادي النيل، ومهّدت لتأسيس أول عاصمة إسلامية في مصر، هي الفسطاط، وبناء أول مسجد جامع فيها.
تجمع المصادر التاريخية على أن التحرك نحو مصر جاء بعد استقرار الفتح الإسلامي في بلاد الشام و أن عمرو بن العاص دخل مصر من جهة العريش سنة 20هـ / 640م، متجهًا إلى الفرما ثم بلبيس، قبل أن يواجه أقوى معاقل البيزنطيين، وهو حصن بابليون. ويورد محمد بن جرير الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك تفاصيل المراسلات بين عمرو والخليفة عمر بن الخطاب، مشيرًا إلى أن القرار جاء بعد تقدير دقيق للأوضاع العسكرية والسياسية.
كان حصن بابليون، القائم في منطقة مصر القديمة، يمثل القلب العسكري للحكم البيزنطي. تحصنت داخله القوات البيزنطية واعتمدت على أسواره الضخمة وموقعه الاستراتيجي قرب النيل. واستمر الحصار عدة أشهر في معارك متقطعة حتى سقط الحصن سنة 21هـ / 641م، وهو الحدث الذي اعتُبر نهاية فعلية للوجود البيزنطي في قلب مصر. وتشير رواية سير الآباء البطاركة المنسوبة إلى ساويرس بن المقفع إلى أن المصريين الأقباط كانوا يعيشون حالة توتر ديني وسياسي في ظل الإدارة البيزنطية، ما جعل انتقال السلطة يتم دون مقاومة شعبية واسعة.
وأن سقوط حصن بابليون مهّد مباشرة لسقوط الإسكندرية لاحقًا، وأن الفتح لم يكن مجرد حملة عسكرية بل عملية انتقال إداري منظم حافظ على النظم المالية القائمة مع إدخال نظام الخراج والجزية لضمان الاستقرار.
بعد سقوط الحصن، اختار عمرو بن العاص موقعًا مجاورًا لإقامة معسكر دائم، وهناك أسس أول مسجد في مصر، هو جامع عمرو بن العاص. كان المسجد في بدايته بسيط البناء، لكنه سرعان ما أصبح مركزًا دينيًا وإداريًا وعلميًا، ومن حوله نشأت المدينة الجديدة. ويذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه الخطط المقريزية أن المسجد كان نواة الفسطاط، ومنها تفرعت الأحياء والأسواق والدواوين.
سُمّيت المدينة بالفسطاط، أي الخيمة، في إشارة إلى خيمة عمرو بن العاص التي ضُربت في موضعها أول الأمر. ومع الوقت تحولت الخيام إلى بيوت، والمعسكر إلى عاصمة منظمة أصبحت مقر الوالي ومركز الإدارة.
أن تأسيس الفسطاط كان قرارًا استراتيجيًا، إذ اختير موقعها بعيدًا عن البحر لتفادي الهجمات البيزنطية، وقريبًا من النيل لضمان التواصل والتجارة.
إن استعادة ذكرى الفتح الإسلامي لمصر في رمضان لا ترتبط فقط بحدث عسكري، بل بلحظة تأسيس لعهد حضاري جديد، تحولت فيه مصر إلى قاعدة رئيسية في العالم الإسلامي، وانطلقت من الفسطاط مسيرة تاريخية طويلة أسهمت في تشكيل هوية البلاد السياسية والثقافية لقرون متعاقبة.

