دكة القضاة في المقطم نافذة مصر على هلال رمضان

في قلب جبال المقطم، وعلى ارتفاع يطل على القاهرة بأفقها الممتد، تقع دكة القضاة، المكان الذي ارتبط عبر عقود طويلة بمهمة رصد هلال رمضان، لتحديد بداية الشهر الكريم في مصر. هذا الموقع ليس مجرد نقطة جغرافية عالية، بل هو رمز للحرص على دقة الرؤية الشرعية، وللتقليد الذي يربط بين السماء والأرض، بين القوانين الفلكية والعادات الدينية، وبين أجيال من المصريين الذين يترقبون سماع خبر رؤية الهلال بفارغ الصبر.
تاريخيًا، كانت دكة القضاة مركزًا لتجمع العلماء والقضاة والهيئات الدينية، حيث يجتمعون عند غروب الشمس في اليوم التاسع والعشرين من شعبان. مزوّدون بأدواتهم الفلكية التقليدية وأعينهم المتفحصة للسماء، يشرعون في مراقبة الأفق بحثًا عن الهلال الجديد. حضورهم لا يقتصر على التحقق الشرعي فحسب، بل يمثل حدثًا شعبيًا يلتف حوله الأهالي، متطلعين إلى تأكيد موعد بداية الصيام الذي يحدد حياتهم اليومية لثلاثين يومًا قادمة.
الارتفاع الذي توفره جبال المقطم يُعد ميزة استراتيجية، إذ يتيح رؤية واضحة بعيدًا عن التلوث البصري والضباب الذي قد يعيق مراقبة الهلال في قلب المدينة. ومع بزوغ الشمس في صباح اليوم التالي، يكون القرار قد اتخذ: إعلان بدء رمضان أو استمرار شعبان ليوم إضافي. هذا القرار، رغم بساطته الظاهرية، يحمل وزنًا دينيًا واجتماعيًا هائلًا، فهو ينسق بين صلاة التراويح، وموعد الإفطار والسحور، وعادات الناس اليومية طوال الشهر الكريم.
وفي هذا السياق تؤكد الباحثة في التراث المصري سلمي أحمد أن “دكة القضاة في المقطم تمثل أكثر من مجرد موقع فلكي لمتابعة الهلال، فهي جزء من الذاكرة الجماعية للمصريين، ورمز للتقاليد التي تجمع بين العلم والدين والمجتمع. وكان حضور العلماء على الدكة هو احتفال رمزي بروح رمضان، يربط الأجيال ببعضها، ويذكر المصريين بأهمية المحافظة على تراثهم الثقافي والديني”.
كانت دكة القضاة في المقطم ليست مجرد منصة رصد؛ إنها شاهدة على عراقة التقاليد المصرية في تحديد مواقيت العبادات، وعلى حرص المجتمع على الحفاظ على التقاليد الدينية التي تشكل جزءًا من هويته.

