أنباء اليوم
 أنباء اليوم

الشيخ محمد رفعت وروحانية رمضان

الشيخ محمد رفعت وروحانية رمضان
تامر المنشاوي -


يُعد الشيخ محمد رفعت واحدًا من أعظم أعلام الإنشاد الديني والأذان في مصر والعالم الإسلامي خلال القرن العشرين، وصوته العذب الذي امتزج بالروحانية أصبح علامة مميزة لشهر رمضان، فقد ارتبط اسمه لدى الأجيال بصوت يفيض خشوعًا وهدوءًا يجعل المستمع يشعر وكأنه في حضرة روحانية خاصة. وُلد محمد رفعت في القاهرة، وظهرت موهبته الصوتية منذ نعومة أظافره، إذ كان يمتلك قدرة نادرة على التحكم في طبقات صوته، ما جذب انتباه المقرئين والمطربين الدينيين إليه. بدأ مشواره في المساجد، حيث كان يؤدي الأذان ويقرأ القرآن الكريم بصوت خاشع في المناسبات الرمضانية، وكان صوته يتميز بالخشوع الذي يلامس القلوب ويثير التأمل في معاني الإيمان.
ارتبط صوته الرمضاني بذكريات الأجيال التي نشأت على سماع القرآن بصوته، وكان حريصًا على أداء الأذان وقراءة القرآن من على المآذن والمساجد في رمضان بصوت يفيض روحانية، فتشعر القلوب عند سماعه وكأنها تدخل عالمًا من الصفاء الروحي. وقد اشتهر الشيخ محمد رفعت بقراءته للقرآن بأسلوب يمزج بين الدقة الصوتية والجمال الفني، حيث كان يتحكم في الأحكام التجويدية ويبرز مخارج الحروف بشكل يجعل المستمع يعيش معاني الآيات، ويشعر بعظمة الكلام الإلهي وتأثيره الروحي العميق، مما جعله قدوة للمقرئين اللاحقين.
ما يجعل كل من يسمعه يشعر بالسكينة والطمأنينة، ويعيد إلى الأذهان أجواء رمضان التقليدية في القاهرة ومدن مصر، حين كان الناس يتجمعون في البيوت والمساجد لسماع صوته العذب واستقبال نور القرآن في شهر الصيام.
ساهم محمد رفعت في نشر ثقافة الإنشاد الديني وقراءة القرآن المرتبطة بشهر رمضان، وأصبح صوته نموذجًا لكل من أراد أن يتعلم فن الأداء الديني وتجويد القرآن، فقد كان التزامه بالروحانية في الأداء دون أي مبالغة أو تصنع صوتي يجعل منه قريبًا من قلوب الناس بمختلف الأعمار. وقد ظل صوته متداولًا في الإذاعات المصرية والعالمية، خصوصًا في شهر رمضان، حيث يجد المستمعون فيه رابطًا بين الماضي والحاضر وبين الروح والدين، ويستحضرون معه أجواء رمضان في مصر قبل عدة عقود، من فوانيس الشوارع إلى أصوات المآذن، ليبقى صوته علامة على الخشوع والارتباط الروحي بالشهر الفضيل.
لم يكن محمد رفعت مجرد مؤذن أو مقرئ، بل كان معلمًا للصوت الروحي وفن قراءة القرآن، يعبر بأدائه عن أعمق معاني الإيمان والتأمل في عظمة الخالق. وقد امتاز بالقدرة على توصيل المشاعر الإنسانية المرتبطة بالخشوع، مثل الحب والخشية والتضرع، في كل كلمة ينطقها أو نغمة يؤديها، مما جعل قراءة القرآن على يديه تجربة روحية متكاملة للمستمعين. ويظل إرثه حاضرًا في البرامج الرمضانية والإذاعية والتسجيلات القديمة، حيث يستخدم صوته لإحياء الروح الدينية ولإذكاء شعور الخشوع لدى المستمعين في أوقات الصيام والصلاة.
يبقى الشيخ محمد رفعت رمزًا خالدًا لرمضان وروحانيته، فهو لم يكن مجرد صوت يسمع، بل تجربة كاملة يشعر بها المستمع بالسكينة والطمأنينة، تجربة تجمع بين الماضي والحاضر، بين القلب والروح، بين الفن والدين، وبين الصوت وروح القرآن. يذكرنا إرثه بأن الفن الديني، عندما يلتقي مع الإخلاص والروحانية، يصبح جسراً بين الإنسان وربه وبين الحياة اليومية والسكينة الداخلية، تمامًا كما كان صوته يربط كل من يسمعه بعظمة الشهر الفضيل، ويجعل من كل لحظة في رمضان مناسبة للتأمل والتفكر في جماليات الإيمان وأهمية الروحانية في حياة الإنسان.