أنباء اليوم
 أنباء اليوم

تعرف على مقابر الخالدين والرموز الوطنية في رمضان

تعرف على مقابر الخالدين والرموز الوطنية في رمضان
تامر المنشاوي -


في ليالي رمضان الهادئة، حين يختلط نور الفوانيس بخشوع الدعاء، تبدو مقابر الإمام الشافعي والسيدة نفيسة وكأنها صفحات مفتوحة من كتاب التاريخ المصري. هناك، حيث يرقد العلماء والأدباء ورجال الدولة، تتجدد الذاكرة الوطنية، وتتعانق الروحانية مع التراث في مشهد فريد لا يتكرر إلا في القاهرة.
في منطقة الإمام الشافعي، حيث يتصدر المشهد ضريح الإمام الشافعي بقُبّته الشهيرة، تتجاور المقابر التي تضم رموزًا صنعت وجدان هذا الوطن. وعلى مقربة منها، في رحاب السيدة نفيسة، حفيدة بيت النبوة، تتراص الشواهد الرخامية المزخرفة بآيات القرآن الكريم، شاهدة على عصور متعاقبة من الفن والعمارة والخط العربي.
ومؤخرًا، تم إنشاء مبنى مخصص لحفظ بعض شواهد المقابر التي نُقلت من المنطقتين، و هذا المبنى لا يضم مجرد أحجار، بل يحتضن ذاكرة وطن بأكمله. من بين الشواهد المنقولة، شاهد قبر عائشة هانم صديقة، وشاهد قبر محمود باشا الفلكي، أحد رواد علم الفلك في مصر الحديثة، وشاهد قبر كلزار هانم، وحسين باشا، وزهرة هانم فاضل، إضافة إلى شاهد إسماعيل باشا سليم ناظر الجهادية، وبرلنتي العظم، وحقي العظم رئيس وزراء سوريا الأسبق، فضلًا عن شاهد تركيبة أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي لا يزال اسمه محفورًا في وجدان الثقافة العربية كما هو محفور على الرخام.
تتميز هذه التراكيب بثراء زخرفي لافت؛ إذ تتضمن أسماء الخطاطين الذين أبدعوا في نقش الحروف، ما يمنح كل شاهد قيمة فنية مضاعفة. وتعلو كثيرًا منها آيات قرآنية محفورة بعناية، تتصدرها آية الكرسي، في تشكيل يجمع بين الجلال الروحي وروعة التكوين البصري. الخطوط المستخدمة، سواء كانت ثلثًا أو نسخًا أو غيرهما، تعكس مدارس فنية ازدهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين، حين كانت المقابر تُعامل باعتبارها أعمالًا فنية متكاملة.
عملية نقل هذه الشواهد لم تكن مجرد إجراء هندسي، بل مشروعًا ترميميًا دقيقًا أبدع فيه المهندس أحمد فتحي وفريق شركة “إبداع”، ومنهم المرمم محمود البحيري وعدد من المتخصصين والمرممين واعتمد الفريق على أساليب علمية التوثيق، لضمان إعادة تركيب الشواهد دون فقدان أي عنصر زخرفي أو كتابي. وتم تنظيف الأسطح الرخامية بمواد متخصصة تحافظ على النقوش، مع تدعيم الأجزاء الضعيفة وإعادة تثبيت القطع المفككة بطرق تتوافق مع المعايير الدولية لصون التراث.
دور المرممين لم يقتصر على الإصلاح المادي، بل شمل توثيق النقوش وأسماء الخطاطين وتاريخ كل شاهد، بما يحفظ القيمة المعرفية لهذه القطع. فالترميم هنا هو حماية للهوية، وصون لذاكرة مدينة كانت وما زالت عاصمة للعلم والأدب والسياسة.
في رمضان، تكتسب هذه الجهود بعدًا إضافيًا؛ فالشهر الكريم يعيد إلى الأذهان سيرة الراحلين وأثرهم في المجتمع. زيارة هذه المقابر لا تعني استحضار الموت بقدر ما تعني استدعاء القيم التي جسدها أصحابها: العلم، والإبداع، والخدمة العامة. فهنا يرقد شاعر الأمة، وهناك عالم أو رجل دولة ترك بصمته في تاريخ المنطقة.
إن مبنى حفظ الشواهد يمثل خطوة مهمة في مسار حماية مقابر الخالدين، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤالًا أوسع حول كيفية التعامل مع تراثنا الجنائزي بوصفه جزءًا أصيلًا من المشهد الحضاري. فالمقبرة في الثقافة المصرية ليست مكانًا للدفن فقط، بل فضاء للذاكرة، ومرآة لفنون العمارة والخط، وسجلًا اجتماعيًا يحكي تحولات المجتمع.
كل الشكر والتقدير لشركة إبداع للمقاولات والمهندس أحمد فتحي والمهندس محمود البحيري وفريق العمل علي ما قدمه لوطنهم ولرموزهم الوطنية.
وهكذا، بين قباب الإمام الشافعي وأروقة السيدة نفيسة، وبين شواهد الرخام المنقوشة بآيات الذكر الحكيم، يظل التراث شاهدًا على أن الأمم الحية هي التي تحفظ أسماء مبدعيها، وتصون قبور رموزها، وتعيد قراءة تاريخها في ضوء حاضرها. وفي رمضان، تتضاعف قيمة هذه الرسالة، ليصبح الحفاظ على المقابر حفاظًا على الروح ذاتها التي صنعت مجد المكان.