روحانيات المقطم في رمضان قباب العلماء تضيء ليل القاهرة

في ليالي رمضان، تتغير ملامح المشهد عند سفح المقطم، حيث تتداخل ظلال الجبل مع أضواء القاهرة، وتتحول القباب التاريخية إلى منارات روحانية تستقبل الزائرين من كل صوب. هنا، في قلب مدينة القرافة، لا تبدو المقابر مجرد مواضع للدفن، بل فضاءات عامرة بالذكرى والعلم والتاريخ.
وفي مقدمة هذه المعالم، تتصدر قبة وضريح الإمام الشافعي المشهد بهيبتهما المعمارية والروحية. فالقبة الخشبية المكسوة بالرصاص، التي تعود إلى العصر الأيوبي، تُعد واحدة من أضخم القباب في العمارة الإسلامية بمصر. شُيِّد الضريح في عهد السلطان الملك الكامل الأيوبي، ليكون شاهدًا على مكانة الإمام العلمية في قلوب المصريين. في رمضان، يمتلئ المسجد بالمصلين، وتتردد في أروقته تلاوات القرآن، فيستشعر الزائر أنه يقف في حضرة تاريخ فقهي عظيم أسس لمدرسة اجتهادية لا تزال حية إلى اليوم.
وبالقرب من هذا المقام، تمتد شبكة من الأضرحة التي تضم نخبة من علماء الأمة. من بينهم الإمام المصري الكبير الليث بن سعد، الذي نافس كبار أئمة عصره علمًا وفقهًا، والصحابي الجليل عقبة بن عامر الجهني، الذي ارتبط اسمه بالفتح الإسلامي ونشر القرآن في مصر.
ويحضر كذلك ضريح العز بن عبد السلام، سلطان العلماء، الذي صار رمزًا للموقف الشجاع في وجه الاستبداد. وفي محيط المنطقة، يتردد اسم يحيى الشبيه في سياق الزيارات الشعبية التي تتكثف في الشهر الكريم، حيث تختلط السيرة التاريخية بالوجدان الصوفي.
أما في مجال القراءات والفقه، فيبرز اسم الإمام ورش، الذي ارتبطت روايته بشهر القرآن، ومعه الإمام المزني أبرز تلاميذ الشافعي، والإمام الطحاوي صاحب المتن العقدي الشهير.
وتكتمل الصورة باستحضار تلاميذ الإمام مالك الذين حملوا مذهبه إلى مصر، مثل عبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم، فصارت القاهرة ملتقى للمدارس الفقهية الكبرى، تتجاور فيها المالكية والشافعية والأحناف في تناغم علمي نادر.
تتكثف هذه الروحانيات. يعلو صوت الدعاء تحت قبة الإمام الشافعي، وتنعكس أضواء الفوانيس على جدران الضريح الخشبي المزخرف، في مشهد يمزج بين الجلال المعماري والخشوع الإيماني. يشعر الزائر أن هذه القباب ليست أحجارًا صامتة، بل ذاكرة حية تنبض بسير العلماء، وتستحضر قيم العلم والعدل والزهد.
هكذا يبقى المقطم ومنطقة الإمام الشافعي في رمضان مساحة جامعة بين التاريخ والعبادة، حيث تتجاور القبور والقباب، ويتعانق الماضي بالحاضر، وتظل القاهرة، بتراثها وروحها، مدينةً تحفظ في ليالي الشهر الكريم سرّها الروحي المتجدد عبر القرون.

