رمضان شهر التحولات الكبري من بدر إلى العاشر من رمضان

لم يكن شهر رمضان عبر التاريخ مجرد موسم للعبادة والصيام، بل كان شهرًا تتكثف فيه اللحظات الفاصلة التي أعادت تشكيل خرائط السياسة والقوة والهوية. ففي هذا الشهر، امتزجت الروحانية بالفعل، والدعاء بالحسم، فخرجت من لياليه قرارات وأحداث غيرت وجه التاريخ الإسلامي والعربي.
في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى، التي مثلت أول اختبار حقيقي للدولة الإسلامية الناشئة في المدينة. لم يكن الانتصار مجرد تفوق عسكري، بل كان تثبيتًا لفكرة أن الإرادة والعقيدة يمكن أن تقلب موازين القوى. ومنذ تلك اللحظة، أصبح رمضان شاهدًا على قدرة الصائمين على الجمع بين الصبر والقوة.
ثم جاء العشرون من رمضان في السنة الثامنة للهجرة ليشهد فتح مكة، الحدث الذي أنهى سنوات من الصراع، وأرسى مبدأ العفو والتسامح في لحظة انتصار تاريخية. كان دخول مكة دون انتقام أو تصفية حسابات إعلانًا عن مرحلة جديدة في تاريخ الدعوة، عنوانها الرحمة بعد القدرة.
وفي الأول من رمضان سنة 20 هـ بدأت صفحة جديدة في تاريخ مصر مع دخول عمرو بن العاص، لتبدأ مرحلة الفتح الإسلامي وسقوط حصن بابليون لاحقًا، وتأسيس الفسطاط كأول عاصمة إسلامية لمصر. ومنذ ذلك الحين، أصبح لمصر دور محوري في قلب العالم الإسلامي، سياسيًا وثقافيًا وحضاريًا.
أما في الخامس والعشرين من رمضان سنة 658 هـ، فقد وقعت معركة عين جالوت بقيادة السلطان سيف الدين قطز، حين تمكنت الجيوش الإسلامية من إيقاف الزحف المغولي الذي اجتاح المنطقة بعد سقوط بغداد. كان ذلك الانتصار بمثابة استعادة للثقة بعد انكسارات كبرى، ورسالة بأن التاريخ لا يسير في اتجاه واحد.
وفي الثامن والعشرين من رمضان سنة 92 هـ، بدأت ملحمة فتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد، لتنشأ حضارة امتدت قرونًا، جمعت بين العلوم والفنون والعمارة، وتركت أثرًا عميقًا في مسار أوروبا والعالم.
غير أن الذاكرة المصرية الحديثة تحتفظ بذكرى خاصة في هذا الشهر، هي ذكرى العاشر من رمضان 1393 هـ، الموافق السادس من أكتوبر 1973. في هذا اليوم عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس، وحطمت خط بارليف، وبدأت حربًا لاسترداد الأرض والكرامة بعد سنوات من الاحتلال. وقد كان الرئيس المصري آنذاك محمد أنور السادات القائد الأعلى للقوات المسلحة، وصاحب قرار الحرب الذي أعاد رسم المشهد الاستراتيجي في المنطقة. وجاءت المواجهة ضد العدو الإسرائيلي لتؤكد أن لحظة الإرادة يمكن أن تعيد التوازن مهما طال أمد الصراع.
العاشر من رمضان لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل لحظة استعادة للثقة الوطنية، ودرسًا في التخطيط والصبر والمفاجأة الاستراتيجية. لقد أثبتت التجربة أن شهر الصيام لم يكن عائقًا أمام القتال، بل كان حافزًا معنويًا وروحيًا عزز الإصرار والانضباط.
وهكذا، عبر القرون، ظل رمضان شهر التحولات الكبرى؛ فيه نزل القرآن الكريم، وفيه انتصارات صنعت دولًا وحضارات، وفيه قرارات سياسية وعسكرية غيرت مصائر شعوب. من بدر إلى العاشر من رمضان، تتكرر الرسالة ذاتها: أن الصبر المقترن بالإيمان يمكن أن يصنع تاريخًا جديدًا، وأن لحظات الصفاء الروحي قد تكون هي نفسها لحظات الحسم في ميادين الحياة.

