أنباء اليوم
 أنباء اليوم

العز بن عبد السلام و ضريحه في الإمام الشافعي سيرة عالم ومقام في قلب القاهرة التاريخية

صورة توضيحية
تامر المنشاوي -


في قلب القاهرة التاريخية، وعلى مقربة من قبة الإمام الشافعي، يرقد أحد أعلام الفكر الإسلامي في العصور الوسطى، الإمام العز بن عبد السلام، الذي عُرف بلقب “سلطان العلماء” لما امتاز به من جرأة في قول الحق، وصلابة في مواجهة السلطة، ومكانة علمية رفيعة جعلته أحد أبرز فقهاء القرن السابع الهجري. ويظل ضريحه الكائن في منطقة الإمام الشافعي شاهدًا على حضور هذا العالم في الذاكرة الدينية والوطنية المصرية.
وُلد العز بن عبد السلام عام 577هـ/1181م في دمشق، ونشأ في بيئة علمية مكّنته من التدرج في مدارج الفقه الشافعي وأصوله حتى صار من كبار علمائه. تتلمذ على عدد من شيوخ عصره، وبرز مبكرًا بحدة ذكائه وقوة استنباطه، فذاع صيته في بلاد الشام قبل أن ينتقل إلى مصر. عاصر فترة شديدة الاضطراب من التاريخ الإسلامي، اتسمت بالحروب الصليبية والصراعات السياسية الداخلية، وهو ما انعكس على مواقفه الفقهية التي لم تكن حبيسة الكتب، بل امتدت إلى المجال العام.
لم يكن العز بن عبد السلام فقيهًا تقليديًا يكتفي بالتدريس والإفتاء، بل كان صاحب موقف. اشتهر بموقفه من بعض الحكام والأمراء حين رأى تجاوزًا للشرع أو اعتداءً على حقوق الناس، فكان صوته حاضرًا في المنابر ومجالس القضاء. وعندما قدم إلى مصر في العصر الأيوبي، تولى مناصب علمية وقضائية مهمة، وخطب في جامع عمرو بن العاص، وأصبح مرجعًا لكثير من طلاب العلم. ومن أشهر مواقفه فتواه المتعلقة بأمر المماليك، حين رأى ضرورة تصحيح أوضاعهم القانونية قبل توليهم مناصب السلطة، في موقف جمع بين الفقه والسياسة وأثار جدلًا واسعًا في زمانه.
توفي الإمام العز بن عبد السلام في القاهرة سنة 660هـ/1262م، وشيّعه جمع كبير من العلماء والعامة، في مشهد يعكس مكانته في قلوب الناس. ودُفن في منطقة الإمام الشافعي، التي تُعد واحدة من أقدم وأهم مناطق الجبانات التاريخية في القاهرة، وتضم عددًا كبيرًا من أضرحة العلماء والأولياء ورجال الدولة.
أما ضريحه، فيقع ضمن النطاق التاريخي المحيط بقبة الإمام الشافعي، في منطقة تُعرف بثرائها المعماري وتنوع طبقاتها التاريخية. ورغم أن المبنى الحالي للضريح خضع لتغيرات عبر العصور، فإن الموقع نفسه ظل مرتبطًا باسم العز بن عبد السلام في المصادر التاريخية والذاكرة الشعبية. ويعكس وجود الضريح في هذه البقعة تحديدًا دلالة رمزية، إذ يجمع المكان بين كبار فقهاء المذهب الشافعي، ويجسد تواصل الأجيال العلمية في القاهرة.
الطابع المعماري للمنطقة التي يقع فيها الضريح ينتمي إلى تقاليد العمارة الجنائزية في العصور الأيوبية والمملوكية، حيث القباب الحجرية، والزخارف البسيطة، والكتابات التذكارية التي كانت توثق أسماء المدفونين وتواريخهم. وقد تعرضت بعض مباني المنطقة عبر الزمن لعوامل التعرية والإهمال، كما شهدت أعمال صيانة وترميم في فترات مختلفة، في إطار محاولات الحفاظ على التراث المعماري للقاهرة التاريخية.
يمثل ضريح العز بن عبد السلام أكثر من مجرد مكان دفن؛ إنه جزء من مشهد ثقافي وديني أوسع، كانت فيه الجبانات ليست فقط مواضع للدفن، بل فضاءات للزيارة والتأمل واستحضار سير العلماء. وقد ارتبطت منطقة الإمام الشافعي عبر قرون بطقوس اجتماعية ودينية، جعلتها مكونًا حيًا من مكونات الهوية القاهرية.
اليوم، ومع تزايد النقاشات حول حماية التراث العمراني وصون المواقع التاريخية، يعود اسم العز بن عبد السلام إلى الواجهة، لا فقط بوصفه فقيهًا ومجتهدًا، بل باعتباره رمزًا لقيمة العلم واستقلاليته. فالحفاظ على ضريحه ومحيطه المعماري هو في جوهره حفاظ على صفحة من تاريخ الفكر الإسلامي في مصر، وعلى ذاكرة مدينة شكلت عبر العصور ملتقى للعلماء والطلاب والزوار.
يبقى العز بن عبد السلام شخصية تتجاوز زمنها؛ عالمًا حمل همّ الإصلاح في عصر مضطرب، وترك أثرًا علميًا ما زال حاضرًا في كتب الفقه وأصوله. كما يبقى ضريحه في الإمام الشافعي علامة على امتداد هذا الأثر في الجغرافيا، حيث يلتقي التاريخ بالمكان، وتلتقي السيرة بالذاكرة.