بوليفونية من أجل فلسطين هو عنوان الأنطولوجيا الشعرية الصادرة حديثاً في باريس عن منشورات ”لارماتان”

نشيد جماعي بلغات الأرض يدين إراقة الدماء واستباحة البشر وطغيان الظلم
عمل جماعى فى كتاب يواكب مأساة الشعب الفلسطيني، تتقاطع فيه أصوات شعرية عدة تفضح الادعاءات الإسرائيلية المزيفة، وتراجع شعارات حقوق الإنسان التي يتشدق بها العالم الصامت أمام هول حقن الدماء والتهجير والدمار، وتواجه الدم النازف بقصائد عابرة لحدود اللغات والجغرافيا.
102 من الشعراء من أكثر من 30 بلداً يلتقون في كتاب واحد ليحولوا الجحيم والمذبحة اللذين يعيشهما الفلسطينيون إلى نشيد كوني يصرخ باللغات العربية والتركية والإسبانية والإيطالية والدنماركية والإنجليزية والبرتغالية واليونانية وغيرها، المترجمة إلى الفرنسية، ويدين استباحة الأرض وإراقة الدماء، في محاولة لاستعادة المعنى الإنساني للكلمة أمام طغيان الظلم والعنف والموت وانسداد الأفق.
توحد كل الشعراء الذين شاركوا في هذه الأنطولوجيا من أجل استكشاف الروح البشرية وهي تواجه التراجيديا الفلسطينية من زوايا عدة. والمشروع في جوهره ليس أنطولوجيا شعرية وحسب، بل فعل أدبي عالمي يسعى إلى تحويل الألم إلى لغة مشتركة، وإلى بناء فضاء إنساني تتقاطع فيه التجارب والأصوات.
لا يقدم المحررون الثلاثة المشرفون على هذه الأنطولوجيا المتعددة الأصوات، كتاباً تضامنياً مع الشعب الفلسطيني، بقدر ما يقدمون مشروعاً شعرياً مقاوماً يقوم على فكرة تعدد اللغات والرؤى والأساليب والحساسيات الشعرية. وهنا لا يوجد صوت واحد يحتكر الحقيقة، بل أصوات جوق كامل يحاول مقاربة الجرح الفلسطيني من زوايا الغضب والحزن والتأمل الفلسفي والنقد السياسي والحدس الشعري الخالص.
في نصه الافتتاحي "لماذا بوليفونية من أجل فلسطين؟"، يضع الشاعر والناشر والمترجم وعالم الكيمياء ميشال قصير الإطار العام للكتاب قائلاً إن ما يحدث في غزة والضفة الغربية ولبنان ليس مجرد نزاع محلي، إنه امتحان عالمي لفكرة الكرامة الإنسانية ذاتها، مؤكداً أن القتل الجماعي وتفاقم الموت والدمار والحقد وتدمير المستشفيات والمدارس وتجويع المدنيين واقتلاع الذاكرة من الأرض، كلها مؤشرات تدل على انزلاق حضاري خطر، تصير فيه التكنولوجيا العسكرية أعلى شأناً من الحق في العيش، والظلم والألم خبز الحياة اليومي.
ولئن أصبح الدم هو اللغة فإن كل ما كان دونه يفقد مدلوله، لكن الكلمة تبقى وحدها خشبة الخلاص الرافضة لمنطق الانتقام أو الكراهية الدينية، لذا أصر على إمكان أن يكون الشعر في هذا المشروع "مجساً للحضارة" ومساحة للعدالة الرمزية ومرآة تمس الإنسانية والضمير الجمعي.
أما نص متين سنجيز "غزة، الحرب والشعر"، فيطرح سؤالاً حول دور الشعر أمام آلة الإبادة، ولعل جوابه الواضح والمتواضع في آن يؤكد أن الشعر لا يوقف القنابل ولا يثير الشوق إلى فلسطين النازفة على صليبها العظيم، لكنه يزرع في الوعي بذور رفض الحرب وعنفها، مهيئاً أرضية إنسانية لفهم ما يجري بوصفه حرب إبادة جماعية لا "صراعاً متكافئاً بين قوتين"، فالشعر، بحسب الشاعر والناشر والمترجم وكاتب المقالات التركي، هو الملاذ الأخير في عالم تحكمه الرأسمالية العسكرية المتوحشة، وهو الوحيد القادر على تذكير الإنسان بإنسانيته عندما تتحول اللغة السياسية إلى أداة تبرير للقتل.
وتذهب المعالجة والمحللة النفسية الفرنسية إيمانويل مالهاب أبعد في نصها الجريء "بماذا تسمى غزة؟" التي تقارب فيه المأساة الفلسطينية من زاوية تاريخية وتحليلية نفسية، فترى أن "اسم غزة يستحضر في الذاكرة صدى غرف الغاز في زمن الإبادة النازية"، ذلك أن هذا القطاع النازف والمدمر من أرض فلسطين لم يعد برأيها مجرد مكان، إنه مشهد ثقيل يكشف عن خلل في الوعي الغربي وعلاقته المكبوتة بالاستعمار والنازية والعنصرية البنيوية، فإيمانويل مالهاب تربط بين ما يجري في غزة وبين الهولوكوست وتاريخ الإبادات الاستعمارية الأوروبية، معتبرة أن ما يحدث اليوم في فلسطين هو استمرار لمنطق غربي قديم قوامه السيطرة والإقصاء، لكنه يتوشح هذه المرة بخطاب الديمقراطية و"الحرب على الإرهاب"، وهكذا تطل المحللة النفسية على الصمت الأوروبي إزاء ما يحدث في فلسطين معتبرة إياه تواطؤاً غير مباشر، لأن الاعتراف الكامل بجريمة غزة يستدعي برأيها مواجهة أوروبا لماضيها وتاريخها الطويل القائم على العنف والكولونيالية والقتل والإبادات باسم الحداثة والتفوق الحضاري.
لكن قوة هذه الأنطولوجيا الشعرية لا تكمن في المقالات الافتتاحية وحسب، بل في القصائد نفسها التي تجسد المأساة في صور ملموسة: أطفال يرفعون قدورهم الفارغة، أمهات يحفرن قبور أبنائهن بأيد عارية متشققة، ومدن تتحول إلى أشباح وركام، وأجساد تصير أرقاماً.
قصيدة عبدو وازن عن أطفال غزة الجائعين مثال صارخ على فداحة المأساة، فالأطفال هنا لا يبكون بل يرفعون أواني الطعام الفارغة كما تُرفع الأعلام في الأعياد الوطنية، في مفارقة موجعة تختصر انهيار العالم الأخلاقي، فالجوع ليس حالاً عابرة بل قصف للروح. ويخاطب الشاعر محمد ناصر الدين ضحايا المجازر مرتقياً بآلامهم إلى مصاف روحي.
أما قصيدة ريها يونلويل التي تصور الإنسان وقد صار فريسة لأخيه الإنسان، فتعري آلية "اصطياد البشر" التي تحول القاتل إلى مواطن صالح، رب عائلة، ووطني متدين، بينما يُمحى الضحايا من اللغة قبل أن يمحوا من على وجه الأرض.
كذلك يبحث الشاعر أحمد زكريا في قصيدته عن بلده الذي لا يُلغى فيه الربيع من المناهج المدرسية، وعن لغة جديدة لا تنتمي إلى قومية ضيقة، بل إلى ذاكرة إنسانية أوسع.
وتكتب ميسر ينيآي عن طفلة من غزة تطلب الموت مختصرة في بيت شعري واحد إفلاس العالم كله، وفي القصيدة اللافتة للشاعر الدنماركي نيلس هاف تشديد على أن السلام لن يكون "دون عدالة"، وأن "من يزرع العنف يحصد العنف" وأن " الكراهية تحصد الموت"، مذكراً العالم أن أمل الفلسطينيين بالحرية واحترام القانون وحقوق الإنسان والأخلاق المدنية، قد جرى تعطيله في الأمم المتحدة، بينما يواصل العالم إغماض عينيه وإدارة ظهره أمام مشهد المجازر والإبادة الجماعية.
في هذه البوليفونية تلتقي كل الأشعار عند نقطة أساس: تحويل الشعر إلى مساحة مقاومة رمزية، حيث الكلمة الجرح فعل وجودي تواجه العنف والاقتلاع وتشيوء الإنسان المعاصر، وهكذا يتبدى شعر مرام المصري التي تحكي عن مواجهة الدمار والضياع والعودة للأرض والبيوت المدمرة، وكأن الشعور بالمعاناة يرافق عندها العزم على البقاء ومتابعة مسيرة الحياة مهما كانت الصعاب جسيمة.
أما هلا حبش التي تقف لغتها الشعرية على حافة الفلسفة فتكتب الألم والغضب الداخليين، وكأن معاناة فلسطين جزء من كيانها، فقصيدتها صرخة مليئة بالسخط والألم واليأس في قول معاناة الفلسطينيين.
وفي قصيدة بعنوان "وعد" يكتب لوران غريزون عن الأطفال الذين قُتلوا في غزة، والذين تحول موتهم رمزاً إلى السلام والأمل، فأصبح كل طفل منهم "طائراً أبيض" يحمل بعض حبات الرمل وغصن زيتون" في تحولٍ للفاجعة إلى رمزية شعرية، تخلد الأطفال الموتى كرمز للبراءة والأمل في السلام على رغم الظلم المستمر.
وتتحرك قصيدة الشاعرة الفرنسية فريديرك سوماني في أفق النداء الإنساني المباشر بلغة عارية متوترة، تقوم على التكرار والتقطيع الإيقاعي للجمل وتراكم دلالي تحاكي انقطاع النفس تحت القصف والحصار، فيها يظهر الصوت الشعري كشاهد عاجز يدون الوقائع كنزف يومي متواصل للوجود.
وهنا صور الأجساد المحترقة والأطفال والخراب والصمت العالمي تتجاور بلا فواصل واضحة، مما يخلق إحساساً بالاختناق، وكأني بالقصيدة نفسها محاصرة في مساحة توتر دائم، تغيب عنها النهاية كما يغيب الأفق السياسي عن الكارثة.
ولئن كانت الشاعرة تكتب من خارج الجغرافيا الفلسطينية فإنها ترفض موقع المتفرج، محولة الكتابة والكلمات إلى فعل تضامن أخلاقي وإلى محاولة لإنقاذ الكرامة الإنسانية أمام عجز السياسة والقانون، فالقصيدة هنا احتجاج وفضح لصمت العالم، وإصرار على أن الشعر لا يزال قادراً على قول "لا" في وجه الإبادة الرمزية والمادية

