باب الصحراء وآل مغربية والسيدة جوهرة ذاكرة باقية رغم اختفاء المعالم

في قلب قرافة السيدة نفيسة، حيث تتعانق القباب وتضيق الأزقة بحكايات القرون، كانت تقف بقايا معالم صنعت جانبًا مهمًا من تاريخ القاهرة الإسلامية. قد تختفي بعض التفاصيل العمرانية، ولكن الذاكرة لا تُمحى، والأسماء التي ارتبطت بالمكان لا تزال حاضرة في وجدان الناس وكتب التاريخ.
يُعد باب الصحراء أبرز هذه الشواهد، فهو آخر ما تبقى من أبواب الصحراء التي عُرفت في عمارة مصر الإسلامية، ويرجع تاريخه إلى العصر الإخشيدي (935–968م). كان هذا الباب يمثل الحد الفاصل بين المدينة وعالمها المفتوح على الصحراء، تمر منه المواكب الرسمية، ويهتدي به المسافرون الخارجون من العمران. لم يكن مجرد بناء حجري، بل كان جزءًا من منظومة أمنية وعمرانية متكاملة، تُغلق ضلفته الخشبية وقت الفتن والاضطرابات حمايةً للمدينة وتنظيمًا لحركة الناس. ويذكر المقريزي أن ما شهدته المنطقة في العصر الإخشيدي من أحداث، حتى إن كافور الإخشيدي كان يوكل بأبواب الصحراء لمنع الخروج زمن الاضطراب. واليوم، وإن غابت بقية الأبواب المماثلة، يظل هذا الباب شاهدًا أخيرًا على طراز معماري ووظيفة حضرية لم يعد لها نظير.
وعلى مقربة منه، في شارع سكة المراغة الذي يُعد من أقدم شوارع مصر الإسلامية، يقع مدفن آل مغربية، وقد تجاوز عمره خمسة قرون. تشير رخامة واجهته إلى أن آخر تجديد له كان سنة 1209 هجرية، في دلالة على استمرار العناية به عبر العصور. وبجوار المدفن يمتد سبيل “جشمة” ذو بذبوزين، الذي كان يروي عطش المارة في هذا الطريق الحيوي، ولم يبق منه سوى أثر تجويفين كانا موضع الصنبورين. يتموضع المدفن بين باب الصحراء من جهة، ومقام السيدة جوهرة من جهة أخرى، في نقطة تجمع بين التاريخ العمراني والخدمة الاجتماعية والبعد الروحي، وكأن المكان يختصر وجوه الحياة كلها في مشهد واحد.
أما مقام السيدة جوهرة، خادمة السيدة نفيسة وكاتمة أسرارها، فيحمل قيمة روحية خاصة لدى الزائرين. يُروى أن عمره يتجاوز الألف ومئتي عام، وقد ورد ذكرها في “جامع كرامات الأولياء” ليوسف النبهاني، حيث نُسبت إليها كرامات ارتبطت بخدمتها للسيدة نفيسة رضي الله عنهما. وعلى مر العصور ظل المقام مقصدًا للمحبين وزوار أهل البيت، وارتبط به تقليد “المرشد الزائر” الذي كان يصحب الوافدين إلى المزارات، حتى خُصص لبعضهم مدافن تقديرًا لدورهم، ومنهم من ذكرهم السخاوي في “تحفة الأحباب وبغية الطلاب”.
قد تتغير ملامح المكان، وقد تختفي بعض معالمه تحت وطأة الزمن، لكن باب الصحراء لم يُنسَ، وآل مغربية لم يغيبوا عن الذاكرة، والسيدة جوهرة لا تزال حاضرة في وجدان محبيها. فالتاريخ ليس فقط ما يبقى من حجارة، بل ما يستقر في الوعي الجمعي ويُروى جيلاً بعد جيل. وبين ما اختفى وما بقي، تظل هذه الأسماء شواهد حية على أن الذاكرة أقوى من الغياب، وأن المكان وإن تبدلت صورته، لا يفقد روحه.

