أنباء اليوم
 أنباء اليوم

معرض دمشق الدولي للكتاب يكتب فصله الأول في عصر ما بعد المنع

صورة توضيحية
أميرة عبد العظيم -


دمشق – تعكس الدورة الاستثنائية من معرض دمشق الدولي للكتاب تحولا لافتا في المشهد الثقافي السوري، سواء على مستوى حرية عرض الكتب أو تنوع المشارب الفكرية وتوجهات دور النشر المشاركة، وفق التحولات التي شهدتها البلاد

ويأتي هذا التحول بعد سنوات طويلة من العزلة ، إذ عاد المعرض ليشكل مساحة جامعة لتيارات ثقافية متنوعة، ومحفلا لدور نشر كانت غائبة أو مهمشة،

كما تشهد هذه الدورة حضورا عربيا ودوليا مميزا بمشاركة 500 دار نشر من 35 دولة، إلى جانب حضور الجناح الكردي، الذي يشارك للمرة الأولى في تاريخ معرض دمشق الدولي للكتاب، بالإضافة إلى توفر مئات العناوين السياسية والتراثية والدينية التي كانت محظورة، وآلاف العناوين الأخرى التي لم تجد طريقها من قبل إلى المعرض، وهو الزخم الذي قابله إقبال كثيف يعكس عطش السوريين الأصيل للثقافة.
ويصف الشاعر والناقد ومؤسس دار موزاييك للدراسات والنشر الدكتور محمد عثمان مشاركة داره في المعرض قائلا: "إنها إعادة اعتبار رمزية للكتاب والناشرين السوريين الذين حرموا من دخول بلادهم لسنوات طويلة".

وأضاف أن كثيرا من هؤلاء الناشرين اضطروا للعمل من الخارج، وبعضهم اتجه إلى تأسيس دور نشر، مع تركيز واضح على إصدار كتب تعكس أوجاع السوريين وهمومهم، وجابت إصداراتهم معظم البلدان العربية، فيما بقي القارئ السوري بعيدا عنها.

ويعتبر عثمان أن عودة المعرض في هذه الدورة الاستثنائية أشبه بـ"نبضة أمل" على طريق استعادة سوريا دورها الحضاري، لافتا إلى أن الدار لم تواجه أي تضييق رقابي، على الرغم من تنوع منشوراتها الفكرية والأيديولوجية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومعبرا عن اعتزازه بهذه التجربة.
بدوره، قال مدير دار المتوسط خالد الناصري إن الدورة الحالية من المعرض تمثل لحظة مفصلية للدار والمشهد الثقافي السوري برمته بعد سنوات من المنع ،

ويؤكد الناصري أن داره لم تواجه عند مشاركتها في المعرض إشكالات رقابية، حيث لم تفرض قيود على العناوين، وقدمت وزارة الثقافة تسهيلات لوجستية وساعدت في نقل كتب الدار من بيروت إلى دمشق.

وشكل الجناح الكردي في القاعة الخامسة من المعرض محط اهتمام الكثير من الزوار، وهو ما فسره مدير الجناح الكردي صلاح الدين صوركجي باهتمام الزوار بالتعرف على جوانب من الثقافة الكردية الغنية بالمعارف والآداب، وإلى كونها المشاركة الأولى للمكون الكردي في معرض للكتاب في التاريخ السوري المعاصر.

وأوضح صوركجي أن الجناح يضم وثائق ومجلات تاريخية، من بينها مجلة "هاوار" الكردية التي كانت تصدر في دمشق عام 1939 كأقدم إصدار باللغة الكردية في سوريا، معربا عن أمله في عودة ملامح تلك الحقبة بعد عقود من الإقصاء والتهميش الذي تعرض له الكرد طوال سنوات حكم حزب البعث.

كما أشار إلى الدور التاريخي للمكون الكردي الذي أنجب شخصيات وطنية بارزة، وشارك في مقاومة الاحتلال الفرنسي جنبا إلى جنب مع العرب قبل عقود.

ووصف مدير الجناح الكردي مشاركتهم في هذه الدورة من معرض دمشق الدولي للكتاب بـ"التاريخية"، داعيا الزوار إلى القدوم للجناح للتعرف على الثقافة الكردية عن كثب.
وبرزت دور النشر العربية في المعرض من خلال عناوين جذابة لم يألفها القارئ السوري، حيث إن معظم المشاركات العربية كانت هي الأولى منذ 14 عاما.

ويقول مدير جناح دار "دريم بوك" الكويتية خالد الشواح إن داره تشارك للمرة الأولى في معرض دمشق الدولي للكتاب، معتبرا أن هذه الدورة الاستثنائية تشكل فرصة ثقافية مهمة في مدينة تعد أقدم عاصمة مأهولة في تاريخ البشرية، مشيرا إلى أن الدار تعمل حاليا على التحضير لافتتاح فرع لها في دمشق خلال الفترة المقبلة.

ويضيف الشواح أن الإقبال الجماهيري في اليوم الأول كان لافتا، مع ازدحام يعكس عودة واضحة للحياة الثقافية في دمشق، معربا تفاؤله بالمشهد العام، وبالزوار الذين لاحظ إقبالهم على عناوين نوعية ومهمة، ما يعكس مستوى الوعي الكبير والذائقة العالية لدى جمهور القراء السوري، وفق تعبيره.

وعلى صعيد الإجراءات، يؤكد الشواح أن بروتوكول المشاركة في المعرض كان مبسطا وخاليا من التعقيدات، في ظل تسهيلات واضحة قدمتها وزارة الثقافة لضمان نجاح المعرض، مؤكدا أن التدقيق اقتصر على الجوانب التنظيمية دون أي تدخل رقابي في محتوى الكتب.

من جهته، يشير رئيس جناح الدار الأثرية للطباعة والنشر والتوزيع من الأردن حازم عبيد إلى أن مشاركة الدار تندرج ضمن تصنيف كتب التراث والعلوم الشرعية بما في ذلك كتب العقيدة والفرق والمذاهب، باعتبارها مجال التخصص الأساسي للدار.
ويلفت عبيد إلى أن هذا النوع من الكتب كان قبل سقوط النظام يواجه حظرا في سوريا، إذ كانت هذه المؤلفات تمنع من التداول، ويلاحق حائزوها، ما جعل سوريا بالرغم من قربها الجغرافي، بعيدة عن اهتمامات دور النشر المتخصصة بالعلوم الشرعية.

ويضيف عبيد أن هذا الواقع تغير اليوم، مع وجود تسهيلات واضحة وتعاون كبير، موضحا أن وزارة الثقافة اكتفت بتسلم قائمة الكتب المشاركة دون تسجيل أي اعتراض، على غرار ما يحدث في معارض الكتاب العربية الأخرى في مصر والسعودية.

ويوضح عبيد أن كتب التراث المعروضة تمثل مصادر أساسية في الفكر الإسلامي، وتشمل كتب الحديث والسنن والمصنفات والمسانيد والعقائد، مؤكدا أن مشاركة الدار اليوم تحمل رسالة دعم لطلبة العلم الذين حرموا لسنوات من الوصول إلى هذه الكتب.

ويختم عبيد حديثه بالإشارة إلى أن الهدف من مشاركتهم ليس الربح، وإنما إتاحة المعرفة لهؤلاء.