قصر من رماد

لم أكن أبحث عن المال ولا الجاه.
كل ما أردته هو الطمأنينة، أن أجد حضنًا دافئًا ألوذ إليه، رجلًا يحتويني، يشعرني بأنوثتي التي ضاعت بين أنفاسي ورغبتي وأنّاتي.
لكنني تزوجتُ من رجلٍ لا أحبه، والكل يعلم ذلك.
صرختُ في وجه أمي يومها:
– لا أحبه يا أمي!
فاكتفت بضحكةٍ باردة وقالت:
"الحبّ يأتي بعد الزواج، حين تتنعمين بالعزّ وتلبسين الحرير، ستحبينه غصبًا عن قلبك."
تزوجتُ وأنا أجرّ خلفي خيبةً شابة، ووجدتُ نفسي في قصرٍ أشبه بمتحفٍ لا يسكنه سوى الصمت.
كان هو الزوج الأول لي، وكنتُ أنا الرابعة له.
لم يولد له في قلبي شعور.
مرّت الأيام ببطءٍ شديد، تتساقط من عمري كما تتساقط أوراق الخريف في حديقةٍ مهجورة.
أنجبتُ منه "عبدالله" ، ثم اختفى الفرح من قلبي.
كنتُ أنظر إلى طفلي وهو يكبر أمامي، فأشعر أنني غريبة حتى عن أمومتي.
كنت أضمّه إلى صدري، ولا أشعر بالدفء، لأن صدري كان فارغًا من الحب.
وحين كان يسألني:
– ماما، ليه بابا دايمًا بعيد؟
كنت أجيبه بابتسامةٍ متعبة:
– بابا مشغول يا حبيبي... بس هو بيحبك.
وكنت أعلم أنني أكذب، وربما أكذب عليه أكثر حين أقول إنني بخير.
كبر عبدالله، وصار يبتعد عني كما يبتعد الضوء عن الغيم.
حين سافر ليدرس الطب، لم أودّعه بالبكاء، بل بالصمت، كأن بيني وبينه سورًا من الندم لا أستطيع عبوره.
في تلك السنوات، غرقتُ أكثر في وحدتي.
كانت أمي تُكرر عبارتها القاسية كلما تحدثتُ عن الطلاق:
"الخيانة أهون من الجوع، المال هو السند، لا تضيّعي ما جمعناه."
كنت أقاومها بلا صوت.
شيئًا فشيئًا، تحولت حياتي إلى طقوسٍ من السهر والشرود والتدخين.
ثم جاءت الخمر، ثم السقوط الكامل.
كنت أبحث عن رجلٍ يُشعل فيّ الحياة، لكنني وجدت رجالًا يُطفئون ما تبقّى منّي.
وحين مات زوجي، لم أبكِه.
شعرت فقط بأن قيدًا قد انكسر، لكن القيود في داخلي بقيت كما هي.
مرضت أمي، وقعدت عن الحركة والنطق، وصرتُ أرعاها كمن يكفّن ذكرياته بيديه.
كنت أراها تصمت، وتغرق في عجزها، وكأنها تدفع ثمن ما نصحتني به.
في صباحٍ رمادي، عاد عبدالله إلى ذاكرتي قبل أن يعود إلى البيت.
تذكرت صوته وهو يقول يومًا:
– ماما، لما أكبر هاعالج الناس اللي تعبانة زيك.
ضحكتُ يومها وسخرت من براءته، ولم أعلم أنني أنا المريضة التي عجزت عن علاج نفسها.
في ليلةٍ اكتمل فيها القمر، سمعت صوت الأذان يتسلل من بعيد.
سألتُ الخادمة:
– ما هذا الصوت؟
قالت بخفوت:
– إنه أذان الفجر يا سيدتي... ابنك عبدالله عاد من السفر الليلة.
عبدالله!
الاسم وحده كان كافيًا ليوقظ فيّ أنثى نائمة غابت عن الوعي منذ زمنٍ بعيد، وأمًّا ماتت واقفة.
شعرت برغبةٍ جارفة في التوبة، في الغسل، في البدء من جديد.
جمعتُ كل ما يربطني بالماضي — سجائر، زجاجات خمر، حبوب نسيان — وألقيت بها خارج غرفتي.
اغتسلت، وارتديت إسدالي القديم الذي لم أرتده منذ عامين.
وقفت بين يدي الله، أرتجف كطفلةٍ مذنبة، وأصلي الفجر للمرة الأولى منذ سنين.
تدفقت دموعي، كأنها تغسلني من الداخل، وكل آيةٍ من القرآن كانت تخترق جدارًا في قلبي.
أسمع صدى الأذان في أذني، وصوت عبدالله في خيالي...
ربما آن لي أن أكون أماً حقيقية قبل أن يفوت الأوان.
خرجتُ إلى الشرفة، والشمس تشرق ببطءٍ كأنها تراقبني.
كان عبدالله في الحديقة، يرفع رأسه نحوي ويناديني:
– أمي... أمي!
ابتسمتُ له، شعرتُ أن شيئًا ما يُنير داخلي بعد ظلامٍ طويل.
مددتُ يدي نحوه من بعيد، ثم... خفّ الضوء فجأة، وغامت الرؤية.
سمعتُ صوت الأذان يمتزج بنداء ابني، وصوت أمي يهمس في أذني:
الآن فقط... أحببْتِ بحق.

