أنباء اليوم
 أنباء اليوم

جرثومة المعدة… الوباء الصامت ودور العلاج الغذائي في الشفاء

صورة تعبيرية
د. نسرين أمين -

تُعد جرثومة المعدة، أو Helicobacter pylori، واحدة من أكثر المشكلات الصحية انتشارًا في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة. ورغم أنها بكتيريا دقيقة الحجم، فإن تأثيرها كبير وممتد؛ إذ تسبب التهابات مزمنة وآلامًا متكررة قد تتطور إلى قرحة ونزيف إذا لم تُعالج بالشكل الصحيح. ويصفها بعض الأطباء بـ"الوباء الصامت" لأنها تظل كامنة داخل المعدة لسنوات دون أن ينتبه المريض لوجودها، إلى أن تبدأ أعراضها في الظهور بشكل يعرقل جودة الحياة.

انتشار واسع وأسباب متعددة

تشير الإحصاءات الطبية الحديثة إلى أن نسبة الإصابة بجرثومة المعدة في مصر تُعد من الأعلى عالميًا، خاصة بين الفئات العمرية الشابة والنساء. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، من بينها تلوث بعض مصادر المياه، وتناول الطعام من الشارع، ومشاركة الأدوات بين أفراد الأسرة، إضافة إلى العادات الغذائية غير الصحية وزيادة الاعتماد على المسكنات دون استشارة طبية. ومع ضغوط الحياة اليومية وتراجع فرص المتابعة الطبية الدورية، يزداد انتشار البكتيريا دون تشخيص مبكر.

الأعراض… إنذار قد يتأخر

تبدأ أعراض جرثومة المعدة عادة بشكل بسيط ومتقطع، مما يجعل الكثيرين يخلطون بينها وبين القولون العصبي أو الحموضة. وتشمل أهم الأعراض:

ألم أعلى البطن خاصة بعد الأكل

انتفاخات متكررة

فقدان الشهية

غثيان ورغبة في القيء

تغير في طعم الفم ورائحة غير محببة

شعور بالحرقان أو ارتداد الحمض

وفي حالات قليلة تتطور الإصابة إلى قرحة معدية أو ثقب بالجدار، وهو ما يجعل التشخيص المبكر ضروريًا.

كيف نُشخِّص العدوى؟

يعتمد الأطباء اليوم على مجموعة من الفحوص الأكثر دقة، أهمها تحليل مستضد الجرثومة في البراز، واختبار النفس (اليوريا)، والمنظار في بعض الحالات. ورغم وجود تحليل الأجسام المضادة في الدم، فإنه لم يعد مفضلًا لأنه قد يظهر إيجابيًا رغم انتهاء العدوى.

العلاج الدوائي… خطوة أساسية تحتاج التزامًا

يُعد العلاج الثلاثي أو الرباعي حجر الأساس في القضاء على جرثومة المعدة، ويتكون عادة من مضادين حيويين ودواء يقلل إفراز الحمض، ويستمر من 10 إلى 14 يومًا. ويشدد الأطباء على ضرورة الالتزام الكامل بالجرعات والمواعيد وعدم إيقاف العلاج عند تحسن الأعراض، لأن هذا يزيد من فرصة رجوع البكتيريا بصورة أقوى.

غير أن التجربة الطبية أثبتت أن العلاج الدوائي وحده قد لا يكون كافيًا لتحقيق الشفاء التام، وهنا يأتي دور "السلاح المنسي": العلاج الغذائي.

العلاج الغذائي… شريك أساسي في رحلة الشفاء

لم يعد النظام الغذائي مجرد توصية جانبية للمريض، بل أصبح عنصرًا طبيًا أساسيًا يساعد في نجاح العلاج ويقلل الالتهابات ويحسن الهضم ويمنع المضاعفات. وتظهر الدراسات الحديثة أن الالتزام بالنظام المناسب يضاعف فرص الشفاء ويقلل احتمالات عودة العدوى.

أطعمة تعزز القضاء على الجرثومة

1) البروبيوتيك (الزبادي واللبن الرايب)

تساعد البروبيوتيك على إعادة التوازن الطبيعي لميكروبيوم الأمعاء الذي يتأثر بالمضادات الحيوية. وتشير دراسات عديدة إلى أن إضافة الزبادي خلال فترة العلاج تقلّل الآثار الجانبية وتزيد معدل نجاح العلاج بنسبة ملحوظة.

2) العسل – خاصة عسل المانوكا

يمتلك خصائص قوية مضادة للبكتيريا. تناول ملعقة صباحًا وأخرى مساءً يساعد في تخفيف الالتهاب وتحسين الشعور بالراحة، رغم أنه لا يُعتبر بديلًا عن العلاج الدوائي.

3) الخضروات المطهية جيدًا

مثل الكوسة، الجزر، البطاطس، البروكلي.

هذه الأطعمة لطيفة على جدار المعدة، وتوفر أليافًا سهلة الهضم تُقلل التهيّج.

4) الفواكه منخفضة الحموضة

الموز، التفاح المسلوق، الكمثرى.

تمد الجسم بالمعادن والفيتامينات دون زيادة إفراز الحمض.

5) الزيوت الصحية

خاصة زيت الزيتون الذي يساعد على تهدئة الالتهاب، ويُعد أفضل بديل عن الدهون الحيوانية والمهدرجة.

6) الأعشاب المهدئة

النعناع، البابونج، الكركم، والزنجبيل — جميعها تساعد في تخفيف التقلصات والغثيان وتهدئة المعدة، بشرط استخدامها باعتدال.

أطعمة يجب تجنبها تمامًا أثناء العلاج

لأنها تزيد الالتهاب أو الحموضة أو تُضعف تأثير المضادات الحيوية:

المقليات والوجبات السريعة

القهوة والنسكافيه والشاي الثقيل

الحمضيات والطماطم والصلصة

الشوكولاتة والمشروبات الغازية

البهارات الثقيلة والفلفل الحار

البصل والثوم النيّ

اللحوم المصنعة والدجاج الجاهز

الكربوهيدرات الثقيلة قبل النوم

تجنّب هذه الأطعمة لا يقل أهمية عن تناول العلاج نفسه، لأن أي تهيّج لمعدة المريض قد يطيل فترة الشفاء.

لماذا يُعد العلاج الغذائي مهمًا؟

يقلل التهابات المعدة، وبالتالي يخفف الألم والحموضة.

يدعم جهاز المناعة لمقاومة الجرثومة.

يحسّن امتصاص العلاج ويقلل آثاره الجانبية.

يمنع تهيّج المعدة أثناء فترة العدوى.

يقلل احتمالات رجوع البكتيريا بعد الشفاء.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه معدلات الإصابة، يبقى الغذاء الصحي أحد أهم الوسائل التي يمكن للفرد التحكم فيها يوميًا، دون تكلفة عالية أو آثار جانبية.

ختاما:

إن جرثومة المعدة ليست مرضًا مخيفًا إذا اكتُشفت مبكرًا وتم التعامل معها بالشكل الصحيح. ورغم أن العلاج الدوائي هو العامل الأساسي في القضاء عليها، فإن الالتزام بالعلاج الغذائي يظل مفتاح الشفاء الحقيقي، لأنه يوفر للمعدة بيئة تسمح بعودة التوازن الطبيعي والتئام الالتهابات. ومع زيادة وعي المرضى بطرق الوقاية والعلاج، يمكن لهذا "الوباء الصامت" أن يفقد الكثير من تأثيره داخل المجتمع.