حين يصنع الفكر التاريخ بصمت أنطوان كومبانيون وقراءة مغايرة لسنة 1966

يهيمن على كتابة التاريخ تصورٌ يربط التحولات الكبرى بالأحداث الصاخبة وحدها، فيما تبقى التحولات الفكرية والثقافية التي تتشكل ببطء خارج دائرة الضوء. غير أن هذا المنظور يغفل أن الأفكار، والعقليات، وأنماط العيش اليومية، كثيرًا ما تسبق الحدث وتؤسس له.
من هذا الأفق، يأتي كتاب المفكر الفرنسي أنطوان كومبانيون ليقترح قراءة مختلفة للتاريخ الثقافي، من خلال مساءلة مفهوم «السنة المفصلية» خارج منطق الحدث السياسي المباشر.
المتن
في كتابه الجديد «1966، سنة مذهلة» (غاليمار، 2026)، يختار كومبانيون سنة واحدة بوصفها وحدة تحليل كثيفة الدلالة، لا لأنها شهدت واقعة استثنائية بعينها، بل لأنها مثّلت لحظة تكاثف فكري وثقافي نادرة في فرنسا المعاصرة. ففي هذه السنة بلغت البنيوية ذروتها، وصدرت أعمال أحدثت تحولًا عميقًا في العلوم الإنسانية، أبرزها كتاب ميشيل فوكو «الكلمات والأشياء» وكتاب رولان بارت «النقد والحقيقة»، اللذان أعادا طرح أسئلة المعنى والذات وسلطة التأويل.
غير أن كومبانيون لا يفصل هذه التحولات النظرية عن سياقها الاجتماعي والثقافي الأوسع. فالأفكار، في نظره، لا تنتشر في فراغ، بل تتغذى من مناخ ثقافي تشكّل أيضًا عبر السينما، والموسيقى، والثقافة الجماهيرية، وحتى تفاصيل الحياة اليومية، مثل انتشار كتب الجيب، وجهاز الترانزستور، و«التنورة القصيرة»، بوصفها علامات على تغير علاقة المجتمع بالجسد والمعرفة والسلطة الرمزية.
يعتمد الكتاب منهجًا تركيبيًا يوازن بين تاريخ الأفكار والسوسيولوجيا الثقافية وتحليل النصوص، مبتعدًا عن السرديات الكبرى التي تختزل التاريخ في سببية خطية أو تمجيد زمني. فالتاريخ الثقافي، بحسب كومبانيون، هو حصيلة تراكمات صامتة تبلغ في لحظة معينة درجة من الكثافة تجعلها مرئية.
لا يعيد كومبانيون في هذا الكتاب الاعتبار لسنة 1966 فحسب، بل يعيد طرح سؤال كتابة التاريخ نفسه. فالأحداث لا تصنع التاريخ وحدها، بل تصنعه أيضًا الأفكار التي تتشكل في العمق قبل أن تجد لحظتها. ومن خلال هذه القراءة، يدعونا إلى فهم الماضي بوصفه عملية بطيئة ومعقدة، وإلى الانتباه لما يبدو هامشيًا وصامتًا، لكنه غالبًا ما يكون الأكثر تأثيرًا في مسار المجتمعات.

