أنباء اليوم
 أنباء اليوم

مولد الإمام الشافعي قلب القاهرة الروحي وتاريخ الأعلام و الأولياء بجواره

تامر المنشاوي -

في قلب القاهرة التاريخية، وعلى أطراف القرافة الجنوبية، يقف مقام الإمام محمد بن إدريس الشافعي شاهدًا على واحدة من أعمق التجارب الروحية والعلمية في تاريخ مصر الإسلامي. فالمكان لا يقتصر على ضريح إمام مذهب عظيم، بل يشكّل نسيجًا حيًا من الذاكرة الدينية، حيث تجاور قبور العلماء والأولياء والملوك، وتتشابك فيه طبقات التاريخ من العصر العباسي حتى العثماني.

كما أشارت الباحثة في التراث المصري سلمى أحمد حول جغرافيا المكان وروحانيته، تؤكد أن منطقة الإمام الشافعي لا يمكن فهمها باعتبارها جبانة فقط، بل بوصفها “مدينة علم وروح”، تشكّلت ملامحها عبر قرون من التراكم المعرفي والوجداني، حيث اختار العلماء والأولياء جوار الإمام الشافعي سكنًا أخيرًا، طلبًا للرمزية والبركة معًا.

ويُعد الإمام الشافعي، الذي استقر في مصر في سنواته الأخيرة وتوفي فيها سنة 204هـ، أحد أعمدة الفقه الإسلامي، وقد شكّل وجوده في مصر نقطة تحول كبرى في الحياة العلمية والدينية. ومع دفنه في هذه البقعة، بدأت المنطقة تكتسب مكانتها الخاصة، لتتحول مع الزمن إلى مقصد للعلماء والطلاب والزائرين، ثم إلى ساحة احتفال سنوي بالمولد، تختلط فيه الشعائر الدينية بالموروث الشعبي.

وتشير الباحثة سلمى أحمد إلى أن المولد هنا لا يُفهم بمعناه الاحتفالي فقط، بل كطقس اجتماعي يعيد ربط الناس بتاريخهم، ويعيد إحياء العلاقة بين العامة والعلماء، وبين النص الديني والذاكرة الشعبية. فحول ضريح الإمام الشافعي انتشرت المقابر والمشاهد، فجاوره في هذه الأرض عدد من كبار الأعلام الذين شكّلوا وجدان القاهرة الروحي.

من بين هؤلاء الإمام ورش، أحد أشهر رواة القرآن الكريم، والذي ارتبط اسمه بالقراءة المصرية عبر القرون، وكذلك الإمام وكيع بن الجراح، العالم الزاهد والمحدّث الكبير، الذي مثّل نموذجًا للعلم المقرون بالتقوى. كما تضم المنطقة مقابر للسادة المالكية، في دلالة واضحة على التعدد الفقهي الذي عرفته مصر، حيث جاورت المذاهب بعضها بعضًا في فضاء واحد دون صدام، بل في تناغم علمي وروحي، وهو ما تؤكد عليه الباحثة باعتباره سمة أصيلة من سمات التدين المصري.

وتحمل الأرض نفسها أسماء عائلات وأشراف كان لهم حضور ديني واجتماعي مؤثر، مثل السادة البكرية، الذين ارتبطوا تاريخيًا بالعلم والتصوف، إضافة إلى مشاهد أولياء اشتهروا في الوجدان الشعبي، مثل يحيى الشبيه، وأبي القاسم الطيب، والسيدة فاطمة العيناء. وتوضح سلمى أحمد أن هذه المقامات تمثل طبقة خاصة من التاريخ، حيث يمتزج المدوّن بالمروي، وتصبح الحكاية الشعبية جزءًا لا ينفصل عن هوية المكان.

ولا يكتمل المشهد دون ذكر الإمام الليث بن سعد، فقيه مصر الأكبر قبل الشافعي، والذي ظل اسمه حاضرًا في هذه البقعة بوصفه رمزًا للمدرسة المصرية في الفقه والاجتهاد. وجود مقامه بالقرب من الإمام الشافعي، كما ترى الباحثة، يعكس فكرة الاستمرارية العلمية، ويؤكد أن القاهرة لم تكن مسرحًا لصراع المدارس الفقهية، بل حاضنة لتجاورها وتفاعلها.

كما تضم المنطقة بعدًا سياسيًا وتاريخيًا واضحًا، يتمثل في مقبرة السلطان الملك الكامل الأيوبي، باني قبة الإمام الشافعي، والذي أراد أن يخلّد اسمه بالقرب من الإمام، تأكيدًا على الارتباط بين السلطة والعلم في ذلك العصر. وتجاوره مقابر لشخصيات ملكية أخرى، من بينها الملكة شمس، بما يعكس المكانة الخاصة التي حظيت بها هذه المنطقة كمقبرة للنخبة الدينية والسياسية.

ومع حلول مولد الإمام الشافعي كل عام، تعود الحياة إلى هذا المكان العتيق في صورة احتفال شعبي وروحي، تتجاور فيه حلقات الذكر، وزيارات المقامات، واستحضار سيرة الإمام وأعلام من جاوروه. وتختم الباحثة سلمى أحمد بالتأكيد على أن هذا المولد ليس مجرد مناسبة عابرة، بل فعل ثقافي يعيد إنتاج الذاكرة، ويحفظ للمكان معناه في وجدان المدينة.

إن مولد الإمام الشافعي، كما تكشفه هذه القراءة، ليس احتفالًا دينيًا فحسب، بل نافذة واسعة على تاريخ القاهرة الروحي، حيث تتجاور قبور العلماء والأولياء والملوك، وحيث تتحول الأرض إلى سجل حيّ يحكي قصة العلم، والتصوف، والسياسة، والمجتمع في مصر عبر أكثر من ألف عام.